محمد بن عبدالعزيز يرعى تخريج طلبة جامعة جازان    استعراض أعمال الرقابة على الأراضي الحكومية الزراعية أمام أمير الرياض    "الفنار".. بين التوطين وتعزيز المحتوى المحلي    فهد بن سعد يشيد بجهود أمانة القصيم    «وفد الشورى» يطّلع على خدمات مطار الملك عبدالعزيز وقطار الحرمين    انعدام الأمن الغذائي ل 96 % من سكان غزة    11 ألف جولة للالتزام البيئي خلال 90 يوماً    جامعة سطام تنظم ملتقى «دور الجهات الحكومية بالقيم الوطنية»    «إسلامية المدينة» تنفذ أكثر من 47 ألف جولة رقابية    حج بلا حقيبة خدمة مريحة للحجاج.. ومولدة لفرص العمل    جاهزية متكاملة لخدمة الحجاج في مطار جدة    تجديد اعتماد عدد من المنشآت الصحية بتجمع القصيم    مجمع إرادة: الصحة النفسية في العمل ترفع الإنتاجية والاستدامة    "كوكب الفن" و"البر التطوعي" يوقعان شراكة مجتمعية لتعزيز دور الفن في خدمة المجتمع    إعادة النبض لحاج إندونيسي في المسجد النبوي    صاعقة تقتل راعياً سودانياً في الأسياح    ترمب: إيران في «حالة انهيار» وترتب أوضاع قادتها    مربط الفرس    «بيت شقير».. عمق التاريخ وواجهة الحاضر    اعتماد آلية مشاركة الأندية السعودية في بطولات الاتحاد الآسيوي    اهتمام أوروبي متصاعد.. هل يخسر الأهلي نجمه المميز؟    العدالة بطلاً لدوري الأولى تحت 15 عامًا    الملف الأمني الخليجي    الجمعية العمومية لجمعية المودة تعقد اجتماعها الثاني والعشرين لعام 2026    الهيئة الملكية بالجبيل تنظم ورشة لتصميم المبادرات الثقافية بالذكاء الاصطناعي    جازان تهيئ 9327 خريجا لخدمة الوطن    علاقة الأدب بالفنون ومحاولة تطبيق مفاهيم الفنون البصرية    السعودية تؤكد استمرار دعمها لمركز الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب بصفتها المانح المؤسس ورئيسة مجلسه الاستشاري    القادسية يقود الرياض للمجهول    العميد يصالح العشاق    10 سنين خضر    مركز إكثار الحبارى بمحمية الإمام تركي بن عبدالله يدعم برامج الإكثار    حين تشهر اللغة سلاحا والتاريخ درعا في مواجهة ترمب    حفظ الأمن الوطني أولا.. الداخلية تباشر إجراءات قانونية بحق مثيري التعصب القبلي    البلديات تدعو ملاك الأراضي الفضاء للنظافة وتحذر من المخالفات    ولي العهد ورئيس وزراء كندا يبحثان العلاقات الثنائية والأوضاع الإقليمية    إشكالية الغرابة واختلال معيار الذوق    أمير منطقة جازان يتابع سير العمل في مشروع مطار جازان الدولي الجديد    مضماراً جديداً للمشي بحي المنار بالدمام ضمن برامج أنسنة المدن    نادي خمائل الأدبي ينظم أمسيةً تفاعلية للأطفال بالجبيل    أمير تبوك يواسي أبناء الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الفوزان في وفاة والدهم    السعودية تؤكد أهمية التنفيذ الكامل لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وتحقيق التوازن بين ركائزها الثلاث    رعى حفل إنجازات التجمع الصحي بالمنطقة: أمير نجران يُدشّن مركز التدريب الإقليمي لوصلة الغسيل الكلوي بالقسطرة    الأمير جلوي بن عبدالعزيز يطلع على مشروع مستشفى جامعة نجران    السعودية تؤكد أن السلام يتطلب وقف إطلاق النار ومنع التهجير وإقامة دولة فلسطينية على حدود 1967    «بشائر الوصول» تستقبل الحجاج في مطار المدينة    نكهة خاصة !!    دويتو مرتقب لمحمد حماقي وشيرين    في ذهاب نصف نهائي دوري أبطال أوروبا.. طموح آرسنال يصطدم بصلابة أتلتيكو مدريد    الهلال يعبر ضمك.. ويواصل مطاردة النصر    أقر الهيكل والدليل التنظيمي لوزارة الحج والعمرة.. مجلس الوزراء: الموافقة على القواعد المنظمة للتعاقد مع السعوديين في الخارج    أمير الرياض يؤدي صلاة الميت على محمد بن فيصل    ناقلات عالقة قبالة تشابهار ومخاوف من خفض الإنتاج.. حصار أمريكي يخنق صادرات النفط الإيرانية    اتفاق مع إيران أو عودة الحرب.. إسرائيل تلوح بالخيار العسكري    «يوتيوب» تضيف ميزة بحث تفاعلي جديدة    الخدمات أقرب والإنجاز أسرع والثقة أكبر    «الإرشاد السياحي» يثري رحلة ضيوف الرحمن    دعت لتنظيم مواعيد زيارة الروضة الشريفة.. وزارة الحج تحذر من أداء "الفريضة" دون تصريح    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حول مفهوم «الردة» في التراث
نشر في الرياض يوم 18 - 08 - 2005

كثيرة هي تلك التحولات في الدين والفكر في التراث الإسلامي، فالرازي المتكلم الكبير يتوب عن علم الكلام ويقول في كلمة وعظية مشهورة: (تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريق القرآن). وهو صاحب الأبيات الشعرية الشهيرة التي تحمل تصوراً سوداوياً للعالم العقلي، وتنتهي إلى التحذر من التفكير الحر:
نهاية إقدام العقول عقال
وغاية سعي العالمين ضلال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا
سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
أما أبلغ تعبير عن حالة الحيرة والاضطراب النفسي فتصورها أبيات الإمام الشهرستاني الذائعة الصيت:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها
وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعاً كف حائر
على ذقن أو قارعاً سن نادم
بل ربما بلغ بكبار العلماء اليأس والانهيار النفسي كما حدث لأبي المعالي الجويني، والذي تروي الروايات انه قال عندما بلغته الوفاة: (هأنذا أموت على عقيدة عجائز أهل نيسابور). أما الإمام أبي حامد الغزالي - المتوفى سنة 505 هجرية -، فهو أيضاً أحد أبرز الشخصيات المتحولة في التراث الإسلامي، بل يمكن اعتبار كتابه «المنقذ من الضلال والمفصح بالأحوال» واحداً من أهم كتب السيرة الذاتية التي تناولت حالة التحول الفكري، والأزمة الروحية المصاحبة لهذه التجربة. الملفت للنظر في كتاب الغزالي هو معنى «التوبة الفكرية»، فالغزالي الذي مر بمرحلة التصوف الشعبي، ثم إلى السنية الأشعرية، ثم إلى الفلسفة الإشراقية، حتى انتهى إلى التصوف السني يظل بمعنى معين عالماً زاهداً لم يقترف ما يمكن تسميته خطيئة بالمعنى الأخلاقي، ولكن «الخطيئة» التي تؤرق هذا العالم اللاهوتي الكبير هي خطيئة «التفكير»، الخروج عن العقل الجمعي ل«الجماعة»، مما يضع صاحبها في موقف «الردة» بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني الخيانة للدين، المجتمع، والوطن، والنتيجة الحتمية لأولئك الذين يقفون هذا الموقف إما «التوبة» والرجوع إلى الجماعة، أو الوقوع تحت نير الاضطهاد الديني والسياسي والاجتماعي. بالنسبة للتراث الإسلامي فإن «الردة» ك«مفهوم» تلعب دوراً هاماً في تحديد آليات سلطوية في مواجهة الضدية داخل المجتمع الإسلامي. وإذا ما استعرنا التحليل الدقيق لنظرية «الأطر الاجتماعية للمعرفة» لعالم الاجتماع الشهير جورج غروفتش فإنه بامكاننا وضع محددات بنيوية شكلّت - وماتزال بصورة أو بأخرى - وضعية «المعرفة» داخل المجتمعات الإسلامية في التاريخ القديم. والتي يمكن اجمالها في النقاط التالية:
1- تعتبر المجتمعات الإسلامية القديمة مجتمعات «لاهوتية» تشكل العقيدة الدينية الجزء الأساسي فيها. ولذلك فإن مناشط الحياة كلها الاقتصادية والاجتماعية تكون خاضعة لمطلق أعلى هو العقيدة الدينية. بل إن العقيدة تصبح وسيلة «الشرعية» لإحداث أي تغيير في البنى السياسية والاجتماعية السائدة، أو الثورة عليها. وحيث تنحصر الولاءات كلها في شروط العقيدة، ونصوصها المؤسسة.
2- نظام السلطة السياسية هو شكل الدولة «الثيوقراطية» حيث تكون الدولة إما خاضعة بشكل كلي لسلطة رجال الدين، وهي صورة غير شائعة وانحصرت أكثر في الحركات الدينية كالخوارج، والباطنية، ولكن الصورة الأكثر تجذراً هي أن تحل السلطة السياسية بصورة (تمثيلية أو إشرافية) محل السلطة الدينية. طبعاً، هذا لا يعني الاستبدال بقدر ما يعني المزاوجة والتماهي بين هاتين السلطتين. مفهوم ك«الخلافة» و«الإمامة» يجسدان هذه العلاقة في الفكرين السني والشيعي. حيث يعتبر الإمام نائباً في الأرض عن السلطة الإلهية، أو هو خليفة هذا النائب. ولذلك فإن الصورة المثالية للحكم الراشد في الإسلام السني هي أن يكون أصحاب السلطة الدينية هم ممثلو السلطة السياسية في نفس الوقت. وتأخذ هذه تعبيراتها في المروّيات مثل: (ما من عبد استرعاه الله رعية فلم يحطها بنصيحة، إلا لم يجد رائحة الجنة)، ولكن رغم ذلك فإن الخلافة الأموية وكذلك العباسية تظلان صوراً لنموذج الحكم الثيوقراطي - الذي يعمل على تسييس الدين في أغلب الأحوال.
3- «النظام الأبوي» المكون من الدولة الثيوقراطية والمجتمع اللاهوتي يضم في جهازه وسائل الحمائية الدينية/ الثقافية. ففي ظل مجتمع أبوي يصبح الخروج بآراء مخالفة، أو نقد المكون الثقافي ل«الجماعة» مرفوضاً. وكل تلك التجاوزات تعتبر «بدعة»، أو «خروجاً»، والموقف الذي يمثلها هو «الردة». إن الحمائية الدينية/ الثقافية تقوم بدورين في وقت واحد: أولاً، الترهيب للمخالف العقدي والسياسي. ثانياً، تنظيم نظام العقوبات والمكافآت المتعلقة سواء بتجاوز هذه المحميات - الردة - أو الانخراط في الحمائية خدمة للعقيدة والجماعة. كذلك تعطي الحمائية الدينية/الثقافية خياراً آخر لما تعتبره «ردة»، وهو خيار «التوبة»، وهي المعادل الموضوعي للرجوع للجماعة والحصول على العفو السياسي والغفران الاجتماعي.
هذه الأطر الاجتماعية الثلاثة (المجتمع اللاهوتي، الدولة الثيوقراطية، النظام الأبوي) هي التي تحدد وضعية المعرفة في التراث العربي الإسلامي، ولذلك فإن الشروط اللازمة لإنتاج «الخطاب» - بوصفه نظام تعبير مقنن ومضبوط في تلك الحقبة - هي بالضرورة خاضعة لهذه الأطر الاجتماعية، والتي من خلالها - وفقط من خلالها - تتم صياغة المفاهيم. مفهوم مثل «الردة» تتجلى محدداتها بصورة متقابلة مع هذه الأطر الواسعة والشاملة. وإذا ما أردنا أن نجري تحليلاً تاريخياً لهذا المفهوم فبإمكاننا أن نلمس بأنه بلغ من العمومية والتجريد حداً كافياً يمكننا من استنباط المحددات التي تصوغ بنية هذا المفهوم. بالتقصي التاريخي نجد أن «الردة» كمفهوم ارتبطت بهيئة ثابتة لدى أغلب الفرق والمذاهب الإسلامية في بنية نصوصها المعرفية ابتداء من كتب الفقه التي أفردت أبواباً أو «كتباً» ل «الردة» أو كتب الحديث على اختلاف طرق تصنيفها، وأحياناً قد تدخل تحت أبواب «البغاة» أو «الحدود».
إحدى الملاحظات الجديرة بالاهتمام هو أنه دائماً ما تعالج مسألة «الردة» لا كشروط موجبة لإدانة المرتد بل في أغلب الأحوال كمرحلة بعدية يكون قد سبق فيها إصدار الإدانة، والتجريم، فمثلاً يتم تناول هذه الموضوعات: (الاستتابة، حكم القتل والتأخير، مال الرتد، طلاق زوجته) - عوضاً عن (ماهية الردة، أوصاف الردة، شروط ثبوت الردة) -. ويتضح من هذه الموضوعات أنها تناقش مرحلة ما بعد إصدار الإدانة. قليل هي تلك النصوص التي تعالج ما يعتبر موجباً ل «الردة»، أو تتناول «ماهية الردة». أما مسائل «التكفير» فهي لا تدخل ضمن موضوعات «الردة» لأنها أكثر توسعاً، والنقاش والجدل حولها كبير وعريض، بيد أن «الردة» تبقى مفصولة بشكل أو بآخر عن «مسائل التكفير»، وأحد موضوعات هذا الفصل هي أبواب «تكفير المعين» - أي الجانب التطبيقي والعملي لمفهوم «الردة» -، وجزء من ذلك يعود للتجربة التاريخية بشقيها السياسي/الاجتماعي فكثير من الفرق التي كانت تخوض في تكفير بعضها البعض لم تكن تستطيع ولوج هذا الحد الفاصل بسهولة لأن ذلك من شأنه إثارة الفتنة والقتل من جانب، ثم إنها قد تكون ضحية لهذا الاندفاع في محاولة وضع شروط ونماذج عملية - وليست نظرية للردة - إذا ما كانت السلطة في جانب هذه الطائفة أو تلك. أحد الأسباب كذلك هو أن الطائفة المنتصرة غالباً ما تحكم على المرتدين بالقتل انطلاقاَ من ولائهم السياسي (القبلي/الأسري)، ولا تتريث للتحقق من صحة عقائدهم حسب النظرة الطائفية. ففي رواية متفق على صحتها، ثم استرقاق نساء، وأطفال بني حنيفة الذي ارتدوا بعد وفاة النبي. علماً بأن الرأي المجمع عليه بين فقهاء الصحابة بأن نساء وأبناء الذين دخلوا في الإسلام يعتبرون مسلمين، وأنه في حالة ارتداد الأبوين أو أحدهما فإن ذلك لا يعني ردة الأطفال والنساء، ولكن وبحسب أحداث المرتدين فإن الولاء السياسي (القبلي/الأسري) هو وحده الذي أخذ التطبيق العملي. وإلى عصرنا الحاضر فإن الجماعات «السلفية الجهادية» التي تقوم بالتكفير ترى ردة الرجال وتجيز لنفسها سبي النساء واسترقاق الأطفال من الناحية النظرية. النصوص الواردة في «الردة» تنص صراحة على أن حكم «المرتد» هو القتل وقد حكي الاجماع في كافة المذاهب الفقهية الأربعة، وأبلغ آية تتناول «الردة» هي الآية 217 من سورة البقرة: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}. كما هو واضح فإن الآية هنا لا تشير إلى القتل، أو حد الردة، وإنما توجد الإشارة للقتل في الآيات التي تتعلق بالمشركين والكافرين، ورغم محاولة بعض العلماء المعاصرين تهميش موضوع «الردة» لحساسيته لمسألة الحرية الدينية عبر القول أن: (الغالب في فقه المسلمين نظراً لا عملاً الاستتابة أو القتل للردة) - «السياسة والحكم: الترابي» -، فهو قول يتجاوز النصوص الشرعية والوقائع التاريخة، ففي الحديث الذي يرويه البخاري: (من بدل دينه فاقتلوه) إشارة صريحة بوجوب القتل، وكذلك يظهر الأمر بالقتل وربطه بمسألة «الجماعة الساسية» في الحديث المشهور المتفق عليه: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بأحد ثلاث.. والتارك لدينه المفارق للجماعة). أمام الوقائع فهي كثيرة في كل العصور، فقد استتاب النبي امرأة تدعى أم مروان (الدارقطني)، وقد قتل الصحابيان ابن مسعود ومعاذ رجلاً ارتد دون استتابة في أصح الروايات (البخاري)، وحروب الردة التي خاضها أبوبكر تثبت ذلك، وقتلى الرأي والفكر في التراث الإسلامي القديم والحديث كثيرون، منذ الجعد بن درهم، وحتى الكاتب السوداني محمود محمد طه - معاصر الترابي صاحب النص السابق - الذي أعدمه نظام الرئيس نيميري بعد تطبيق الشريعة في السودان. أما الاضطهاد الديني والسياسي والاجتماعي للمفكرين والفلاسفة والمؤرخين في أغلب المذاهب والحضارات الإنسانية القديمة والحديثة فهو موضوع واسع لسنا نريد الخوض فيها هنا.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.