فيصل بن فرحان يلتقي وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية    سيميوني مدرب أتلتيكو مدريد: التركيز مفتاح الفوز في السوبر الإسباني    الراجحي يقرّر الانسحاب من رالي داكار السعودية 2026    «سلمان للإغاثة» يوزّع سلال غذائية وكراتين تمر في بلدة الكورة بلبنان    الأقصى تحت الاقتحام وتقرير أممي يصف سياسات الاحتلال بالفصل العنصري    إعلان أسماء الفائزين بجائزة الملك فيصل في فروعها الخمسة    أميركا تعلن احتجاز ناقلة نفط روسية في شمال المحيط الأطلسي    حرس الحدود يحبط تهريب (193) كجم "حشيش" في قطاع فرسان بجازان    لاعبو نيجيريا يقاطعون التدريبات لعدم دفع مكافآت الفوز    148.544 حالة إسعافية بالشرقية    دور المؤسسات التعليمية في تنمية مهارات المستقبل    هيكساجون حين تدار الدول بالخوارزميات    الحزام الأمني السعودي: قراءة في مفهوم إستراتيجية الأمن الوطني    أمير القصيم يطلق 20 طائرًا من الحبارى في متنزه القصيم الوطني    والصومال تتطلع للسعودية كصمام لأمنها    روسيا ترسل غواصة لمرافقة ناقلة نفط تطاردها أميركا    مؤسسة التراث والرقمنة    بين الدفاع بالإيعاز والدفاع بالفطرة    تسليم وحدات سكنية لأكثر من 9 ألاف أسرة من أهالي الأحياء العشوائية بجدة    وكيل وزارة الإعلام اليمني: سياسة أبوظبي ورطت الزبيدي    وزير الخارجية يصل إلى واشنطن في زيارة رسمية للولايات المتحدة    أمير الرياض يطلع على مشروع ردم وتحصين الآبار المهجورة ومنظومة المياه بالمنطقة    NHC شريك إستراتيجي لأعمال منتدى مستقبل العقار الخامس 2026    سوق الأسهم السعودية يغلق مرتفعًا عند مستوى 10455 نقطة    هيئة الأمر بالمعروف بجازان تطلق معرض "ولاء" لتعزيز الأمن الفكري بالتعاون مع بلدية صامطة    هيئة الأدب والنشر والترجمة تستعد لإطلاق مهرجان الكتاب والقراء بالطائف    السديس يلتقي مستفيدي خدمة "إجابة السائلين"    في تجربة شريفة الشيخ.. الخطُ العربي فنٌ حي    مقهى عكاظ يناقش "النص المسرحي باعتباره أدبًا" بالطائف    حول العالم    الرياض.. بوابة الجنوب إلى الدولة لا إلى الانفصال    الشورى يطالب الجامعة الإلكترونية بتحسين بيئة التعلم    دي غوري: لا أحد منا كان يعتقد الجمع بين عالمين كما فعل ابن سعود    مسجد قباء يستقبل أكثر من 26 مليون زائر خلال عام 2025 ضمن منظومة خدمات متكاملة    صحي القنفذة يحصد اعتماد «منشآت صديقة للطفل»    في ختام الجولة 15 بدوري يلو.. العلا في ضيافة الرائد.. والزلفي يواجه جدة    كانسيلو يقترب من البارسا.. وليفاندوفسكي يرفض الهلال    في مستهل مشواره بكأس آسيا تحت 23 عاماً.. الأخضر يتغلب على قرغيزستان بصعوبة    إحساس مواطن    58.2 مليار ريال صادرات الخدمات    فصل موظف كشف آلاف «الأخطاء الإملائية»    من سيرة منْ يقرأ في الحمام    ضد النسخ!    المملكة ترسخ مكانتها العالمية في الاتصالات والتقنية    حذر من أزمة إنسانية متفاقمة في القطاع.. الاتحاد الأوروبي يطالب بإيصال المساعدات إلى غزة    مفاوضات بين تل أبيب ودمشق.. اتهام «قسد» بقصف حي الميدان في حلب    الفنان أحمد مكي يقاضي مديرة أعماله    «درون» لمراقبة المشاريع والمخالفات    تجديد مدة برنامج تنمية قطاع تقنية المعلومات حتى 2030.. مجلس الوزراء: الموافقة على مشروع قواعد وإجراءات عمل «برنامج المعادن»    الذكاء الاصطناعي يقدم نصائح صحية مضللة    بريطانيا تمنع إعلانات الأطعمة غير الصحية نهاراً    مختص: فقدان كلجم كل أسبوعين معدل صحي للريجيم    %99 بلاغات الأدوية غير الخطيرة    نائب أمير تبوك يطلع على التقرير السنوي لفرع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بالمنطقة    الانتماء الوطني والمواطنة    نائب أمير القصيم :القيادة الرشيدة تولي التعليم اهتماما بالغاً    بالتعاون مع هيئة محمية الإمام تركي..«الفطرية»: إطلاق 124 كائناً مهدداً بالانقراض    القيادة تعزي ملك الأردن في وفاة رئيس الوزراء الأسبق    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حقوق الإنسان: بين التأسيس في الوعي وبين مجرد المعرفة بها..!
نشر في الرياض يوم 06 - 10 - 2012

هل يوجد في ثقافتنا/ تاريخنا سند تاريخي ل»حقوق الإنسان»؟ هل عشنا صراعا فكريا واجتماعيا متعدد الأبعاد حول مفهوم «حقوق الإنسان»، حتى ترسخت في وعينا وفي (لا وعينا) إلى الدرجة التي أصبحت من قبيل السلوك التلقائي
هل تأسست "حقوق الإنسان" في الوعي العربي والإسلامي عبر مسارات متعرجة من الصراع الفكري والاجتماعي، أم أن هذا الوعي يكتفي من تلك الحقوق بمجرد المعرفة بها؟ ومن ثم، هل المعرفة بحقوق الإنسان تكفي لتأسيسها في الوعي تأسيسا كافيا يجعلها تلقائية في السلوك وفي ردة الفعل، وفي النظر إلى الإنسان بالمطلق؟ هذا سؤال مهم في الحالة العربية الإسلامية، خاصة إذا تذكرنا أن مفهوم "حقوق الإنسان" أصبح رائجاً في الخطاب العربي/ الإسلامي المعاصر.
قبل الإجابة على هذا السؤال، لنستمع إلى الدكتور: محمد عابد الجابري وهو يقول: "ثقافة حقوق الإنسان، مثلها مثل ثقافة التسامح وما أشبهها، عبارات دخيلة لا أساس يسندها، ولا تاريخ يؤسسها في الوعي العربي، شأنها شأن كثير من المفاهيم الاجتماعية التي راجت في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، والتي كان الحديث يجري عنها بتوظيف مفهوم الإيديولوجيا، مثل مفهوم: الطبقة، والوعي الطبقي، والوعي المزيف، والبروليتاريا".
هذا يعني أن الجابري يعتبر أن المفاهيم التي لا تُؤسّسُ في الوعي تأسيساً تاريخياً ستظل مجرد "كلمات ومواعظ" لا تأثير لها على السلوك الفردي والجمعي، وستظل بالتالي دخيلة غريبة على الثقافة التي تجترها. والسؤال هنا: لماذا تظل لا تأثير لها على الثقافة المعنية رغم أنها تتشدق بها ليل نهار؟ الجواب نجده عند الجابري مرة أخرى بقوله في كتابه (في نقد الحاجة إلى الإصلاح): "إن للكلمات، عندما تتحول إلى مفاهيم، تاريخاً آخر أوسع وأغنى. إن المفاهيم كائناتٌ فكرية تولد بفعل ظروف معينة ترتبط بها وتحيل إليها وتكتسي منها مضمونها التصوري وقوتها المفهومية التي تنقلها من مجال الاصطلاح اللغوي المجرد، البارد الميت، إلى مجال الواقع الحي، العلمي أو الإيديولوجي".
هذا الحكم من المفكر الجابري نجد له سندا وشاهدا من تاريخ الغرب المعاصر، الغرب الذي اخترع منظومة الحداثة، ومنها "حقوق الإنسان". إذ لم يؤسس الغرب تلك الحقوق في السياق الثقافي والاجتماعي بمجرد الدعوة المجردة إلى تمثلها عبر المواعظ والكلمات، بل إنه أسسها عبر سلسلة معقدة وطويلة من التطورات الملتحفة بعباءة الصراعات الفكرية والاجتماعية، تلك الصراعات التي تطلبت في مراحلها المختلفة - من ضمن ما تطلبت - نحت مفاهيم ومصطلحات متدرجة ومتمرحلة كل مفهوم يعضد الآخر بقدر ما هو حتمي للوصول إليه. لقد كان كل مفهوم منها يشكل حالة (فرضية) يؤدي دوره الإيديولوجي ضمن سياق تاريخي معين، ليقود إلى مفهوم آخر، ربما في سياق آخر، وهكذا حتى وصل المفهوم الرئيس "حقوق الإنسان بمطلقه" ليتمثل في الوعي الجمعي الغربي كسلوك تلقائي عادي مثله كافة مظاهر السلوك التي تنطلق لا من الوعي فقط، بل ومن اللاوعي أيضا.
لقد بدأت مسيرة حقوق الإنسان - الإنسان المطلق المجرد من الأوصاف المكتسبة - في الغرب بتدشين، أو لنقل: افتراض مفهوم" حالة الطبيعة"، وهي حالة كان البشر خلالها أحراراً لهم كافة الحقوق. فلكل منهم الحق في كل شيء، وأي شيء. ولكن لمّا كان سعي كل واحد منهم إلى التمتع بكل ما ستصل إليه يداه، وتمكنه منه قدراته، سيؤدي لا محالة إلى تنازع وتدافع واقتتال، لأن الإنسان كان وسيظل ذئباً لأخيه الإنسان، فقد اهتدوا ب "عقولهم" إلى طريقة لتنظيم هذه الحقوق بصورة تضمن العدل أولاً والأمن ثانياً، فكان أن دشن فلاسفة الأنوار مفهوم "العقد الاجتماعي"، وهو مفهوم تال لمفهوم" حالة الطبيعة"، وبموجب ذلك العقد، سيتنازل الجموع عن حقوقهم، لا بالمعنى الحرفي للتنازل، بل بمعنى تنظيمها وحفظها واستردادها بصورة تمنع التنازع والتدافع والصراع.
كيف، ولمن تنازل الأفراد عن حقوقهم الطبيعية؟ لقد تنازلوا عنها على مستويين: المستوى الأول، تنازلوا فيه عن حقوقهم الطبيعية لمجموعة تشكلت منهم، والتي ستضمن لهم حقوقا مدنية مقابل تلك الحقوق الطبيعية، وهذه المجموعة أو الهيئة تسمى" الدولة"، وهكذا قام المجتمع البشري المتمدن المنظم بدلاً من حالة الطبيعة. أما على المستوى الثاني، فلقد تنازل الأفراد، أو المجموعة المتنازل لها، عن تنظيم وحفظ الحقوق الطبيعية لشخص واحد يقوم بمهام الرئاسة والحكم بما في ذلك الحفاظ على حقوق الأفراد والجماعة، وهكذا قامت الحكومة.
هذه الفرضيات، وتلك المفاهيم التي قال بها مفكرو وفلاسفة الغرب في القرنين السابع عشر والثامن عشر، لم تكن مقصودة لذاتها، وإنما لما كان مطلوبا منها أن تؤديه من سند اجتماعي تاريخي لما افترضوا أنه أصل الاجتماع والدولة معا. بعبارة أخرى، إن ما كان يهمهم في الدرجة الأولى هو الوظيفة التي كانوا يريدون لهذه الفرضيات والمفاهيم أن تؤديها، وهي: وظيفة تفسير منشأ الدولة والسلطة تفسيراً يقرر صراحة أو ضمناً أن السلطة التي تمارسها الدولة ومن يتصرف باسمها هي سلطة الشعب، وأن الحاكم إنما يستقي الشرعية لحكمه من رضا الناس، لا من"الحق الإلهي للملوك"، كما كان الوعي الجمعي الأوروبي يستبطنه آنذاك.
نعود الآن إلى السؤال الذي استفتحنا به هذا المقال، وهو: هل تأسس مفهوم "حقوق الإنسان" في الذاكرة الجمعية العربية على نحو يجعله سلوكا تلقائيا، كما حدث في الغرب؟ الجواب في الأسطر التالية.
يقول الجابري في الكتاب ذاته: "لقد عاش الغرب مسألة حقوق الإنسان كإيديولوجيا، أي في إطار صراع فكري واجتماعي وديني وسياسي، فكانت النتيجة أن ترسخت (حقوق الإنسان) في فكره ووعيه وسلوكه، على الأقل إزاء بني جلدته. فهل يمكن، لنا أو لغيرنا، الحصول على النتيجة نفسها بمجرد استعادة تلك الإيديولوجيا، لا بوصفها صراعاً واقعياً متعدد الأبعاد، بل فقط بوصفها (ثقافة)؟ أو بوصفها (معرفة)؟ ويقول أيضا: "هل تكفي المعرفة بالشيء في اكتساب ذلك الشيء؟ كم من الناس ينادون بحقوق الإنسان ويشرحونها ويتبحرون في شرحها، ولكن كم من هؤلاء يطبقها في بيته، مع زوجته وأولاده، وخادمته، ومع الذين يعملون عنده؟".
من هنا نسأل: هل يوجد في ثقافتنا/ تاريخنا سند تاريخي ل"حقوق الإنسان"؟ هل عشنا صراعا فكريا واجتماعيا متعدد الأبعاد حول مفهوم "حقوق الإنسان"، حتى ترسخت في وعينا وفي (لا وعينا) إلى الدرجة التي أصبحت من قبيل السلوك التلقائي؟ لا شك أن الإجابة بالنفي. وإضافة إلى ذلك، فإن الإنسان الذي نجد لحقوقه سندا معرفيا في ثقافتنا، هو إنسان محدد، وليس الإنسان المطلق ب "ألف ولام العهد"، ذلك الإنسان الذي عاش الغرب الحديث صراعا فكريا واجتماعيا من أجله. هنا تبدو مشكلتنا مع ما نسميها "ثقافة حقوق الإنسان" مركبة، فنحن لم نعش من أجلها صراعا فكريا يؤسسها في الوعي، وفوق ذلك، فإن النسق المعرفي الذي سنستجديه لدعم "حقوق الإنسان" يتمحور حول إنسان محدد وليس حول "الإنسان المطلق"، وبالتالي فإن السؤال الآخر هو: هل نحن نعي ما تعنيه عبارة "حقوق الإنسان" عندما نصدح بها آناء الليل وأطراف النهار؟ للأسف نحن بالفعل لا نعي ما تعنيه تلك العبارة المحملة بعبء التاريخ والجغرافيا الغربيين!!
مع ذلك فنحن يمكن في هذه المرحلة أن نكتفي - كما يقول الجابري - بالقول: "إذا كان سقراط حسن الظن بالإنسان (عندما قال إن المعرفة بالشيء تكفي لاكتساب ذلك الشيء)، فلنقتد به، ولننشر ثقافة حقوق الإنسان ليس من أجل إقناع الناس باحترام هذه الحقوق وحسب، بل أيضاً، وهذا أهم، من أجل توعية أصحاب الحقوق الضائعة ليطالبوا بحقوقهم. وبالمطالبة المستمرة المتواصلة سيحصلون عليها. وحقاً: ما ضاع حق وراءه طالب".


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.