تحويل الدراسة الحضورية "عن بعد" اليوم الخميس في عددٍ من محافظات الرياض    مؤشرات الأسهم الأمريكية تغلق على تباين    تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين.. تكريم الفائزين بجائزة الملك فيصل 2026    أمير نجران يقدّم تعازيه في وفاة آل جيدة    أمانة نجران تطرح 35 فرصة استثمارية في مواقع متعددة    النصر يكسب الاتفاق بهدف ويحافظ على صدارة دوري روشن للمحترفين    الرابطة تعلن مواعيد الجولات 33 – 30 وجدولة المباريات المؤجلة بروشن    اليوم ..انطلاق بطولة القصيم لجمال الخيل العربية الأصيلة    اطلع على تقريره السنوي .. أمير نجران يؤكد أهمية دور التدريب التقني بالمنطقة    المملكة تعزي تركيا في ضحايا حادث المدرسة بكهرمان مرعش    «سلمان للإغاثة» يوزّع (818) سلة غذائية في مدينتي غزة وخان يونس    الجيش الأميركي يوقف تجارة إيران البحرية    أرسنال يقصي سبورتنغ ويصعد لمواجهة أتلتيكو بقبل نهائي "أبطال أوروبا"    صندوق الاستثمارات يتخارج من الهلال لشركة المملكة القابضة    الهلال يخطط لضم لياو بعرض ضخم    النخبوي والعميد لتجاوز غموض المنافسين    «الداخلية»: عقوبات ستطبق بحق مخالفي تعليمات تصريح أداء الحج    "السعودية" في إقليم مضطرب    برعاية خادم الحرمين ونيابة عنه.. نائب أمير الرياض يكرم الفائزين بجائزة الملك فيصل لعام 2026    نائب أمير الرياض يكرم الفائزين بجائزة الملك فيصل لعام 2026    صدارة بس    جهود مكثفة من أمانة نجران للحد من آثار الأمطار وتحسين السلامة العامة    أمير الشرقية يستقبل رئيس وأعضاء جمعية رائد    الرميان: لن يُلغى أي مشروع في نيوم    جازان تتصدر كمية الأمطار ب34.2 ملم    جامعة الملك سعود توضح حقيقة إلغاء التحضيرية    اتفاقيتان لتوطين معالجة الأسماك والمنتجات البحرية    شرايين الحج.. 10 طرق تصل 8 دول لخدمة ضيوف الرحمن    أمير نجران يعزي آل جيدة    أمير منطقة جازان يستقبل القنصل العام لجمهورية الفلبين    رئيس وزراء باكستان يصل إلى جدة    أمير المنطقة الشرقية يستقبل رئيس وأعضاء جمعية " رائد "    81% من مستخدمي الإنترنت في السعودية واثقون بقدرتهم على كشف الاحتيال    تشابا سيندري: ماذا يمكن للمبتكرين أن يتعلموا من الشركات التي استمرت لأكثر من 150 عاماً؟    وزير العدل يرفع الشكر للقيادة بمناسبة الموافقة على نظام التنفيذ الجديد    ديوان المظالم ينظم ورشة عمل عن الذكاء الاصطناعي وأثره في حوكمة وتطوير العمل القضائي    برنامج الإقراء بالمسجد الحرام يعزّز تعليم القرآن الكريم    منطقة حمى في نجران: متحف مفتوح للفنون الصخرية    بدعم كريم من الأميرة فهدة بنت فلاح آل حثلين.. بيش تزفّ 50 شابًا وفتاة في زواج جماعي يعكس روح التكافل    الخريف تفقد ميناء رأس الخير وأعمال «معادن».. كفاءة تشغيلية ومرونة لوجستية عالية بالجبيل الصناعية    أكد أن التهديدات تؤدي للتعقيد.. الرئيس الإيراني: تشدد واشنطن حال دون التوصل لاتفاق    دعت لمنع تصعيد جديد.. الصين تحذر من هشاشة وقف إطلاق النار    إلى أين تتجه بوصلة الإدارة المدرسية؟    ناصر القصبي في دراما تاريخية توثق «رحلات التجار»    هل الملعقة الذهبية مؤشر للنجاح؟    روبيو: فرصة تاريخية رغم التعقيدات.. إسرائيل تسعى ل«سلام وتطبيع» مع لبنان    «إسلامية الشرقية» تنفّذ 34563 جولة رقابية    «الشؤون الإسلامية» تحقق أكثر من (15) مليون ساعة تطوعية    السديس: الالتزام بتصريح الحج ضرورة شرعية    استقبل الربيعة واطلع على خطط موسم الحج.. نائب أمير مكة: القيادة حريصة على تسخير الإمكانات لخدمة ضيوف الرحمن    "نجران الصحي".. إنجاز علمي    «القصيم الصحي» يطلق حملة «رشاقة القصيم»    «إدمان الشوكولاتة» يثير الجدل في بريطانيا    نبتة برية تحارب البكتيريا المقاومة للعلاج    إطلاق المسح الصحي الوطني للسكان    هرمز يغير قواعد الاشتباك.. على حافة المضيق حصار أمريكي وترقب لجولة تفاوض    الأمير جلوي بن عبدالعزيز يرعى حفل تخريج 5872 طالبًا وطالبة بجامعة نجران    هيئة الأدب والنشر والترجمة تدشّن جناح المملكة في معرض بولونيا الدولي للكتاب 2026    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الاستهلاك الجماعي والثقافة الحضرية

أنا على يقين أن كل من خرج من رمضان هذا العام يشعر بثقل تكاليف الحياة خصوصا وأن موعد الدراسة ورمضان والعيد وقبل ذلك مصاريف الإجازة والسفر شكلوا منظومة نفقات "كسرت" ظهر كثير من الأسر. نمط الحياة يفرض ثقافة استهلاكية جماعية مقلقة لا تتيح للأسرة مجالا للادخار والتفكير في المستقبل، كما أنها ثقافة تجعل من الحياة عبارة عن حلقة متصلة من الانفاق دون راحة وهذا في حد ذاته يصنع نوعا من "القلق الحضري" الذي يجعل الحياة الحضرية متوترة ويجعل من الحياة في المدينة حالة "جبرية" تدفع إلى العمل المستمر للبحث عن لقمة العيش دون أن يكون لهذا العمل مردودا في عملية الانتاج لأنه عمل "جبري" يشجع على الحياة في المدينة من أجل تحسين مستوى الدخل لا من أجل معادلة الاستهلاك/الإنتاج وهذا كله يأتي على حساب التوازن بين المدينة والقرية وبين المناطق الأكثر نموا والمناطق الأقل نموا التي بحاجة إلى موارد بشرية مؤهلة. الإشكالية من وجهة نظري هي أن ضغوط الاستهلاك هذه لم تكن موجودة في الماضي، فقد كانت الحياة بسيطة وتنحو نحو الاكتفاء الذاتي، ورغم أننا كنا نسكن في مدن صغيرة إلا أننا كنا نشعر براحة وبكفاية معيشية تتناسب مع أسلوب حياتنا لأن ثقافة الأسرة كانت تعتمد بشكل كبير على ما تنتجه الأسرة والحارة ولا تتطلع للخارج إلا في حالة الضرورة القصوى. والذي يبدو أن تلك الثقافة انتهت كليا ولم يعد هناك ما ينتج داخل الأسرة حتى في القرى البعيدة والنائية وتشابه نمط الحياة في المدينة والقرية، الأمر الذي دفع الناس للهجرة للمناطق التي تتيح مجالات عمل أكثر، اي أننا انتقلنا من النقيض إلى النقيض، هكذا فجأة ولم نشعر بثقل هذه الحياة الجديدة إلا عندما تعودنا عليها وعندما ولد جيل أو جيلان لا يعرفون تلك الحياة القديمة المستدامة التي كنا عليها وتصوروا أنه لا يوجد في الحياة سوى "الاستهلاك" المفرط الذي نعيشه اليوم.
المدينة بهذا المفهوم ليست مجرد «وحدة فراغية» فهناك ما يمكن أن نسميه المفهوم الاجتماعي للاستهلاك الذي يجعل من المدينة عبارة عن حراك يمثل فيه نمط الاستهلاك ظواهر عمرانية يمكن رصدها بسهولة
لعلي هنا أتذكر كتاب (لويس ممفورد) "ثقافات المدن" الصادر عام 1938م والذي فرق فيه بين المدن "المنتجة وتلك "المستهلكة". ويبدو أن هذا الجدل مازال يشكل محورا اساسيا لفهم المدينة بمفهومها المعاصر، خصوصا في المملكة، فالمدن والقرى السعودية على وجه الخصوص تشكل إشكالية "اجتماعية" كبيرة، فهي في الغالب مدن استهلاكية تنمو وتمدد حسب درجة الاستهلاك التي تتاح لها وخطط التنمية المرتبطة بها لا تعتمد في حقيقة الأمر على إعادة تدوير الاستهلاك من أجل تطوير الانتاج مثل ما يحدث في المدن الغربية، فمثلا هناك مواسم استهلاك معروفة في المدن الغربية مثل أعياد الميلاد تعمل فيها المصانع ويكون هناك استهلاك جماعي للمواد المنتجة لكن هناك ما يسمى تنشيط دورة راس المال فعوائد الاستهلاك المجتمعي تعود إلى تلك المصانع وبذلك يتطور الاقتصاد بالنسبة لنا نحن نستورد ونستهلك ولا عوائد على الاقتصاد إلا في جيوب التجار الذين يزدادون ثراءً على حساب مدخرات الأسرة والنمو الاقتصادي بشكل عام.
لقد تشكلت ظاهرة اجتماعية/حضرية مهمة نتيجة لثقافة الاستهلاك الجماعية المعاصرة، هي أن صورة المدينة كفضاء استهلاكي "تنافسي" توجد صراع طبقي "خافت" أو "خجول" لكنه يظهر أحيانا بقوة ليعيد تعريف المدينة ككل ويصبغها بصبغة لم تكن موجودة في "جوهر" تلك المدينة في السابق. فالمدن في منطقة الخليج في السابق وإلى وقت قريب (منتصف السبعينيات من القرن الماضي) كانت متواضعة وبسيطة وتتقبل الجميع دون تمييز ولا تمثل فيها الثقافة الاستهلاكية عاملا مقسما أو طبقيا على عكس ما نشاهده هذه الأيام. لعل السؤال المهم الذي يجب أن نطرحه هنا هو لماذا حدث هذا التغير؟ لماذا أصبحت هذه المدن مفرطة في استهلاكيتها؟ وهل هذه الظاهرة مرتبطة بمدن الخليج فقط أم أنها ظاهرة عالمية؟ والحقيقة أن مفهوم "الحضرية" وما تعنية من "نمط اجتماعي" و"شكل عمراني" يفرض حالة من الاستهلاك لا يمكن تفاديها، فعلاقة الانتاج بالاستهلاك تمثل معادلة "الثقافة الحضرية" المعاصرة وبالتالي فإن تفادي "الاستهلاك" وما يفرضه من أنماط اجتماعية طبقية شبه مستحيلة في مدن اليوم، لكن هذا لا يعني الاستسلام لهذا النمط من الحياة كما أنه لا يعني أن يشكل ظاهرة "مستفزة"، تجعل من الحياة الحضرية غير مستساغة، بل إن الفروض الطبقية التي تصنعها "ثقافة الاستهلاك" يمكن أن تخلق حالة تنافسية حضرية إيجابية إذا ما أحسن التعامل معها. بالنسبة للمدينة في الخليج العربي الأمر محير ومثير للأسئلة ويشكل حالة "ايديولوجية" تستحق التفكير.
المدينة بهذا المفهوم ليست مجرد "وحدة فراغية" فهناك ما يمكن أن نسميه المفهوم الاجتماعي للاستهلاك الذي يجعل من المدينة عبارة عن حراك يمثل فيه نمط الاستهلاك ظواهر عمرانية يمكن رصدها بسهولة، فوجه المدينة يحمل كل هذا الصراع الاجتماعي الاستهلاكي الذي يحاول أن يعبر فيه الناس عن أنفسهم وهوياتهم. يعرف (مانويل كاستيللز) الاستهلاك على أنه العملية الاجتماعية لاختيار المنتج من قبل الناس/الطبقات الاجتماعية. ومن هنا فمن منظور الطبقات الاجتماعية يمثل الاستهلاك تعبيرا أو وسيلة وممارسة اجتماعية يتم فهمها وإدراكها بإطار ومحتوى أيديولوجي يكرس على مستوى العلاقات في التوزيع التنازعات والصراعات التي تقررها علاقات الانتاج" (Miles, S. &Miles M. (2004) Consuming Cities, London and New York, Palgrave/ Macmillan. وقد تمت مراجعة الكتاب في مجلة "لونارد" الصادرة في لندن، مركز لونارد للفن والعمارة، العدد الرابع، يوليو 2011م).
والحقيقة أن المدن تتشكل وفق ما يطلق عليه "الاستهلاك الجمعي"، خصوصا وأن السياسات الحضرية أصلا توضع حسب ما يمليه هذا الاستهلاك. ولعل التصور الذي يضعه كل من (فيلو وكيرنس) حول أن الشكل الحضري يمثل "مشروعا أيديولوجيا" وأن الثقافة الحضرية هي "مشروع فاعل" للطبقات الاجتماعية الحضرية يجعلنا نفكر كثيرا في كيفية تشكل المدن، فهذه الطبقات تكرس نفوذها الاجتماعي عبر هذه الثقافة الحضرية الاستهلاكية ولعل هذا يعيدنا إلى موضوع "الأخلاق الحضرية" المرتبط بشكل عميق بظاهرة الاستهلاك الجماعي، كون أن ما ينتجه الاستهلاك من أنماط اجتماعية/أخلاقية له أبعاده العميقة على شكل المدينة ليس فقط كمكون مادي من خلال وجود أحياء للأغنياء وأخرى لمتوسطي الدخل أو الفقراء بل من خلال النمط العام للتفاعل الاجتماعي الذي يجعل من مفهوم الطبقة المبنية على الحالة الاقتصادية واقعا لا يمكن تفاديه وهو واقع يتمظهر ماديا/بصريا عبر مكون المدينة ونسيجها الحضري.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.