لكل أمة صورة كاريكاتيرية في ذهن ثقافات الأمم الأخرى، إنّ الثقافات ترسم في أذهان أفرادها صورا للأمم، إنها صور شبيهة بتلك التي نطالعها كل يوم على صفحات الصحف حول الشؤون الداخلية، إنها صور توجز بألوانها وأشكالها ما عليه تلك الأمم والمجتمعات من الخلال والصفات، إنها تكشف عن وجوه من الحقيقة والصواب، ليس في مقدور أهل تلك الثقافة إلا أن يُذعنوا حين رؤيتها والإطلال عليها، إنها صور مُستقاة من واقع الحال، واشتمالها على المبالغة أمر وارد؛ لكن رصيدها من الواقع يجعلك مشغولا بجوانب الصواب فيها دون أوجه المبالغة، إنّ الواقع هو الفيصل في معركة هذه الصور المجسِّدة لحال الأمم، فهو الذي يدفع بك إلى قبول الصورة، والتصديق بما جاء فيها، أويأخذ بك في سبيل رفضها وردها، إنه الواقع الحاكم المستبد المرضي باستبداده. أنا أيها الإخوة ما أمسكت القلم حتى أستجلي معكم صورتنا في الثقافات الأخرى، وما وقفت أيضا لأتفحص صور الأمم الأخرى في ثقافتنا، كل ذلك حقيق بالنظر والدرس؛ لكنه ليس حديثي اليوم إليكم، إنني أودّ منكم أن نشرع في رسم صورة كاريكاتيرية لأمتنا الإسلامية، صورة نلمّ أطرافها مما نعيشه في بلادنا، ولتكن صورتنا الداخلية في نهاية المطاف جزءا من الصورة الكاريكاتيرية الكبرى التي نُزمع القيام بتشكيلها، إنه مشروع كاريكاتيري كبير، حُماداه أن يُقدّم الأمة اليوم في صورة، وما ذاك بأمر مستبعد، ولهذا فالمقال نص مفتوح، يضيف فيه كل قارئ رأيه، ويرسم على صفحاته بريشته ما يجول بخاطره تجاه أمته، فهكذا تكون البدايات، إننا نبدأ حين نعلم أين نحن من خارطة هذا العالم الرحب؟ إنّ مجتمعنا يتكاشف العيوب، ويرسم كل طيف في مخيلته صورة عن غيره، بها تُعلن عيوب الأطياف داخليا، وتروج هذه المشاهد الكاريكاتيرية في الذهن الجمعي، تقبل بها بإيمان حواشي كل طيف، وأنا أدعوكم اليوم إلى تدويل هذه الصور، أدعوكم إلى الحديث عن أنفسكم بين العالمين كما تتحدثون عنها فيما بينكم، أما أن نختصم ونختلف في فهم الإسلام واستجلاء أبعاده داخليا، ثم نجهد أن نبدو أمام العالمين أمة واحدة، تحفّ بها الرحمة، وتحدو قافلتها الرأفة، فلا أحسب ذلك إلا سيرا في درب موحل، يظن سالكه أنّ التظاهر أمام الغرباء حل لإعضالات الأقرباء، إنّ أمامنا سبيلين؛ أن نبدو كما نحن في الداخل، أونرجع إلى الداخل بتلك الصورة التي نحب أن نظهر بها في الخارج، فننظر بعين الأخوة إلى كل ما يجول في ديارنا. إنني حين أنظر في حالنا اليوم أشعر أن الصورة المتشكلة عنا فيها ادّعاء كبير، إن الادعاء جزء رئيس من كاريكاتير أمتنا، إنه في ظني ولا أدري عن ظنكم عمود ثقافتنا، أو على أقل تقدير أحد أعمدتها الضخام، فنحن ندّعي أمورا كثيرة؛ لكننا إذا جئنا للواقع الذي نعيشه لم نجد سوى السراب الذي يهرب كلما اقتربنا منه، فمما ندعيه أن المسلمين من أعدل الأمم، فإذا نظرنا في واقعنا وجدنا تفشي الظلم باسم الدين تارة، حين اتخذناه حربا على المخالفين لنا في الرأي، وباسم المصالح تارة أخرى حين امتطينا ظهر المحسوبية والشفاعة في الوصول إلى أهدافنا! إننا ننسى مع سورة الادّعاء أن العدل منظومة من الأنظمة تحول دون التعدي وتحفظ منه، وننسى أن من العدل إعلان تلك الأنظمة، وسهولة تحاكم الناس إليها. إنّ الادّعاء صفة يدركها المسلم في بيئته مذ صغره، وتتكشف له مع الأيام خطورتها؛ لأنها تدل بوضوح على أنّ مدعيها ما دام الواقع يتجهم في وجهه إما كاذب أوغافل، وليس له إلى غير الحالين مآل، وما فَطِنٌ وأريب مَنْ دفع بأجياله إلى ذين الدربين في تقويمه والنظر إليه، إنّ أولادنا إن كذبنا عليهم في بطولاتنا الشخصية، وعظّمنا عندهم أنفسنا، فسيأتي اليوم الذي تنكشف فيه أوراق اللعبة الأبوية، وإذا راق أنفسنا ذلكم الكذب فلا يحق لنا أبدا أبدا أن نجري على خُطى تلك اللعبة، فنرسم لهم صورة مغشوشة عن أمتنا اليوم؛ لكن ما لنا إلا الصبر على أولئك الذين لا يبالون بما تنتهي به مشاوير أولادهم في الحياة! أولئك الذين يتحسرون على أثر الغرب والشرق في أولادهم، ولم يدروا أنّ ادّعاءاتهم تلك كان لها أثر السحر في قلب أذهان الأولاد حين لم يجدوا منها على أرض واقعهم شيئا ذا بال، ووجدوا تلك الادّعاءات على أرض غيرهم من الأمم المجاورة لهم! إنّ لنا في الادّعاء فنونا، لا أحسبها لغيرنا، ولعل هذا يُفسر شيئا من الادعاء الذي نواجهه أحيانا لدى بعض مفكرينا ومثقفينا حين نسمع من هذا وذاك ما ينقل لنا عنه صورة من يحيط بكل شيء علما! فمهما حاول المرء الخروج من حفر ثقافته، فسيظل فيه من ظلالها شيء كثير. ومما ندعيه أن أمتنا شيخة الأمم في البلاغة والفصاحة، إن المتقدمين منا فاقوا العالمين في صناعة الكلام؛ لكن أولئك المتقدمين ويا للحسرة لم يُورّثوا أهل هذا العصر شيئا من ذلك! أهل هذا العصر الذين أضحت الكتب ودواوين الشعر في متناول أيديهم لم يستطيعوا أن يُعيدوا ذلك المجد التليد في التلاعب باللغة وأساليبها، استطاع الجاهلي الذي تقوم ثقافته على المشافهة أن يسحر بحديثه الناس، ولم يستطع إخواننا اليوم أن يُذكرونا بشيء مما كان، فظلت قوائم الأدب العالمي قفرا من معاصرينا أوكادت. هذه صورة أمتنا الكاريكاتيرية عندي في هذا الزمان، وهذه بعض مظاهرها، إنها ويا للأسف أمة مُدّعية، وربما كان في خطاب الله تعالى للمسلمين في ذلك العصر بقوله: (يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون) إيذان بهذا الواقع المرير، الذي يُعدّ أعوص عقبة، تواجه الناس في سبيل الصلاح والفلاح؛ إذ ليس شيء أشد على المصلحين من إصلاح من يدّعي الصلاح!! *كلية اللغة العربية - جامعة الامام