ارتفاع أسعار النفط مع موجة الجليد التي تضرب أمريكا    المملكة تستضيف خبراء دوليين لصياغة مستقبل الإنسان    المحافظات اليمنية تستقبل منحة المشتقات النفطية لتشغيل محطات الكهرباء    الإعلام البرازيلي يكشف تفاصيل انتقال كايو سيزار من الهلال    إحباط تهريب (23) كيلوجرامًا من مادة الحشيش المخدر في جازان    نائب أمير تبوك يستقبل ممثل فرع المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر بالمنطقة    تأكد جاهزية بونو وأكتشيشيك لمواجهة الهلال والقادسية    متقاعدو قوز الجعافرة ينظّمون أمسية ثقافية ورياضية على كورنيش جازان    جمعية التكافل الإنسانية بصبيا تُطلق مشروع «إعمار» لترميم منازل المستفيدين    عثمان الصيني أمينًا عامًّا للجائزة السعودية للإعلام 2026    نائب أمير جازان يستقبل سفيرة مملكة الدنمارك لدى المملكة    مجلس الوزراء برئاسة ولي العهد يؤكد دعم المملكة للسلام وإعادة الإعمار في غزة    نائب وزير البلديات والإسكان يشرح آلية التحول في القطاع العقاري    نائب أمير جازان يُدشِّن الحملة الوطنية للتطعيم ضد شلل الأطفال    مركز القلب بالقصيم يطلق مبادرة "إشراقة تعافٍ" لدعم المرضى نفسيًا وجسديًا    مقتل 4 فلسطينيين في قصف الاحتلال الإسرائيلي شرق غزة    اليمن: 3 ملايين طفل حرموا التعليم و170 ألف معلم بلا رواتب    المدرب دانجيلو: «أشعر أننا سنرى أفضل مستوياتها هذا الموسم»    بلابل الشعر العربية في أمسية مديد الثالثة بأدبي الطائف    إنفاذًا لتوجيهات خادم الحرمين وولي العهد.. وصول التوأم الملتصق التنزاني (نانسي ونايس) إلى الرياض    النصر يُعلن تعاقده مع حيدر عبدالكريم    بدء تطبيق المرحلة الثانية من توطين مهن طب الأسنان    تعليم الطائف يحتفي باليوم العالمي للتعليم 2026    العون الخيرية تُطلق حملة بكرة رمضان 2 استعدادًا لشهر الخير    الهلال يحافظ على الصدارة رغم التعثر.. والنصر والأهلي يواصلان الضغط مع ختام الجولة 18    «عمارة المسجد النبوي».. استكشاف التاريخ    «أمانة نجران» تُنجز 12 مشروعاً تنموياً ب117 مليون ريال    هندي يقتل ابنته الطالبة ضرباً بالعصا    دوريات الأفواج الأمنية في عسير تُحبط تهريب (46) كيلو جرامًا من نبات القات المخدر    في روشن.. الاتحاد يعبر الأخدود بشق الأنفس    واشنطن: عناصر داعش المحتجزون بالعراق خطر يطال الجميع    تسعينية تحطم التلفاز دفاعاً عن «أبطالها»    «كرت أزرق» سوداني مصري إلى برلين    انطلاق تحكيم مشاريع نهائيات «إبداع 2026»    وسع سيطرته بالنيل الأزرق.. الجيش السوداني يفك حصار «الدلنج»    إيران تجدد تحذيراتها: أي هجوم سيقود لاضطراب إقليمي    أكد قوة الاقتصاد والنمو غير النفطي..الفالح: 4.7 تريليون ريال الناتج المحلي الإجمالي للمملكة    القيادة تهنئ الحاكم العام لكومنولث أستراليا بمناسبة ذكرى يوم أستراليا    «البروتين».. كنز لكنه مدمر للصحة    الأستراليون يصطفون لمشاهدة زهرة «الجثة»    المهارة التي تسبق شهادتك وتتفوق على خبرتك    كيف تقود المقالات معارك الفضاء الرقمي؟    العيسى في دافوس.. رهان على المشتركات الإنسانية    النسيان.. الوجه الآخر للرحمة    الربيعة يدشن مركز التحكم بالمسجد النبوي    حضور عالمي يتجاوز الظرفية    إطلاق «موسم الشتاء» بمحمية الملك سلمان    سعود بن بندر يهنئ "أمانة الشرقية" لتحقيقها جائزة تميز الأداء البلدي    المملكة تصنع الفرق عالمياً    الجراح من القلب    مركز التحكيم الرياضي السعودي يوقع مذكرة تفاهم مع هيئة التحكيم الرياضي الخليجية    النصر يتغلب على التعاون بهدف في دوري روشن للمحترفين    أحد عشر عاما أعادت تعريف معنى القيادة    برعاية أمير الشرقية انطلاق مؤتمر الرعاية الصحية الأولية بالدمام    نائب أمير جازان يستقبل سفيرة مملكة الدنمارك لدى المملكة    نوه بدعم القيادة ل«كبار العلماء».. المفتي: المملكة شامخة قوية بسواعد أبنائها    بعد الرحيل يبقى الأثر!!    الاهتمام بالأسر المتعففة والأيتام    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



"النكتة" سلوك بشري يخضع لعوامل التغير السياسي والاجتماعي والاقتصادي
تولد عند وقوع حدث داخل المجتمع
نشر في الرياض يوم 22 - 02 - 2008

النكتة، كلمات قصيرة ومركزة ولها معنى وأهم ما فيها انها مضحكة، الفرد السعودي أصبح من أوائل الشخصيات لصناعة النكتة في العالم العربي، صحيح ان ليس هناك دراسات تؤكد هذه المسألة ولكن حسب رأي المتابعين بشكل عام، النكتة ليست عمل هين وسهل بل على العكس قد تكون من أصعب الأعمال الأدبية أو الفنية، يقال ان النكتة تحتاج لمحرض خارجي لصناعتها أما سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي، انتشرت النكتة في المجتمع السعودي في الفترة الأخيرة بشكل ملفت للنظر مما جعلنا نلتفت لها بشكل جدي رغم انها كوميدية، فقد لاحظنا انها وسيلة فعالة للدفاع عن النفس مثل نكتب المرأة السعودية عن الرجل السعودي "آخر أفلام الرجل السعودي: عائلي - بسرعة يالله أمشيكم ونرجع - رعب - جنائي - من اللي مسك جوالي - درامي - غموض - وش سويت بموضوع الرجال؟ - مغامرة - عندي مؤتمر في البحرين - رمانسي - يا زين المرقوق من يدينك -". وغيره من المجالات مما جعل النكتة مشارك وراصد للمجتمع السعودي، في هذا العمل يفسر لنا ضيوفنا بعض ما خفي علينا في موضوع النكتة.
المجتمع السعودي والنكتة
في البداية تحدث مع الدكتور ناصر الحجيلان دكتوراه الفلسفة في النقد الثقافي والذي أشار إلى مجالين مختلفين لانتاج النكتة وهما: انتاج النكتة وتلقيها. فانتاج النكتة موضوع يتعلق بعوامل ثقافية وجمالية "تشمل اللغة". أي ان الحديث عن انتاج النكتة يعيدها إلى الوراء قليلاً قبل أن تتكون وقبل أن تصبح مادة صالحة لكي يقال عنها نكتة. وهنا يكون التعامل مع مكونات الفكرة "الكامنة في الذهن" التي ستصبح - وفق آليات عقلية متداخلة - مادة لغوية وسماتها، في محاولة للتعرف على الجزء المخفي من صناعة النكتة. فمثلاً النكت التي تبدأ بعبارات تعلن للملتقي انه أمام نص أو مشهد له سماته الخاصة به، مثل: "فيه واحد"، أو "فيه نكتة تقول"، أو "سمعتوا آخر نكتة"؛ فهذا النوع من النكت يختلف في تكوينه الثقافي عن النكت التي تستهل بعبارات تسند القصة إلى شخصية لها رصيد في ذهن المتلقي مثل: "محشش كان"، أو "قروي كان". وتختلف عن النكت التي تستند على صيغ استفهامية فتجعل رد المتلقي جزءاً من النكتة، مثل: "فيه نقطة زرقاء على الجدار، ليش؟"، أو "ليش النملة ماسكة رأسها؟" وغيرها. فتحليل لغة النكتة هنا يحاول تفكيك النص إلى عناصره الأولية والتعرف على طريقة بناء النكتة وربط ذلك بالمكون الذهني لمجتمع النكتة "شخصياتها السردية التخيلية، ومتداوليها من مؤدين ومتلقين".
أما المجال الآخر وهو التلقي فإنه يتعامل مع طرفين هما النصر بعد أن صار مادة مستخدمة والمتلقي في مختلف ظروفه الزمانية والمكانية والعمرية والثقافية والنفسية والاقتصادية.. الخ. ومن الطبيعي ان تختلف ردة فعل الشخص الذي يسمع نكتة عن الطلاق مثلاً وقد مر بتجربة الطلاق عن ردة فعل الشخص الذي لم يتزوج، كما يختلف تأثير النكتة على الشخص الذي يسمعها وهو في حالة عزاء عن الشخص الذي يسمعها في جو جماعي ضاحك. وتلقي النكتة يرتبط كذلك بسمات المؤدي وطريقة أدائه، ولهذا فإن اعطاء فكرة دقيقة عن وضع النكتة في المجتمع السعودي بحاجة الى دراسة عناصرها وما يحيط بها من عوامل النشوء والتلقي.
وقال د. ناصر (بالنظر الى المجتمع السعودي بشكل عام يمكن القول بأنه مجتمع يحتضن النكتة كغيره من المجتمعات البشرية الأخرى التي توجد فيها روح الفكاهة والمرح، ومن الصعوبة وصف مجتمع معين بانه صاحب نكتة وآخر لا، لأن النكتة ماهي الا مظهر لغوي ثقافي موجود مع الإنسان، ولكن طبيعة النكتة وخصائصها هي التي تختلف من مجتمع إلى آخر، فالنكتة السعودية لها سمات عامة تشترك فيها مع النكتة العالمية (بمختلف اللغات) وأخرى مع النكت العربية، وفي الوقت نفسه لها سمات خاصة تميزها عن غيرها، والسمات الخاصة بالنكتة السعودية هي اما سمات لغوية تتصل باسلوب عرض النكتة، وطرق صياغتها، وآليات بنائها، او سمات ثقافية تتعلق بالمحتوى وما يتضمنه من تصورات شعبية، ومعتقدات، ورؤية للعالم، اضافة الى أن النكتة السعودية لها أنماط معينة لابراز المفارقة الساخرة التي تعتمد عليها وتجلب الضحك او السخرية، وهي أنماط يدركها السعوديون مباشرة في حين أن الشخص من خارج الثقافة حينما يتلقى بعض النكت السعودية قد لا يفهم المفارقة او يتأخر في استيعاب مكمن السخرية فيها بسبب عدم المامه بتلك الأنماط).
المفارقة في النكتة السعودية
وأشار الى أن احدى الدراسات بينت عن "أنماط المفارقة في النكتة السعودية" ان المفارقة - التي يقع عليها مركز الثقل في النكتة - تتبع عددا من الأنماط التي يعود بعضها الى أداة الاتصال (اللغة، اللهجة، اللكنة، الصوت...) والى مادة الاتصال (العادات، القيم، التصورات..) وإلى اسلوب الاتصال (طرق الأداء الشفهي والكتابي، الحركي والساكن، السريع والبطئ، المتصل والمتقطع..) وإلى حالة الاتصال مع المتلقي (المباشر وغير المباشر).
نشوء النكتة
وعن نشوء النكتة في المجتمع السعودي قال الحجيلان (إذا كان المقصود بالنكتة ما يثير الضحك او المرح او السخرية من قول أو سلوك فان النكتة بهذا المعنى تعود الى فترة قديمة مرتبطة بنشوء اللغة عند الإنسان، وهذا لا يقتصر على النكتة السعودية بل يشمل النكتة عامة، ولكن إن كان القصد بالنكتة تلك القصة التي لها صيغة معينة في الاستهلال وفي العرض وفي إظهار المفارقة وفي الختام مما يتداوله الناس، فهذا موضوع بحاجة الى بحث للتعرف على مدى جدة النكتة من قدمها، ولكن من نظرة عامة يمكن القول بان النكتة لم تكن شائعة بشكل واضح لدى الجيل السابق - من جيل الآباء والأجداد قبل خمسين سنة تقريبا - ربما بسبب انشغالهم بالبحث عن لقمة العيش بمثل ما هي شائعة الآن، وقد عرف في السابق شكل من أشكال النكتة، وهو ما يطلق عليه "العيارة" (وصاحبها "عيار") وهي طريقة في الوصف تحاول الصاق بعض السمات ببعض الأشخاص او الأحداث بهدف الاضحاك وجلب المرح، ولم يدون منها الا القليل الذي فقد صياغته الشفهية وربما جرى عليه بعض التعديلات التي تحذف او تغير في بعض العناصر المكونة للعيارة، على أن العيارة تستند - غالباً - في تقديم السخرية على شخص او حدث، والواقع ان بعض النكت قد أخذت من العيارة، ولكن تجد هذا النوع مرتبطاً بفئة معينة او بظروف خاصة بمجالس او لقاءات شفهية، وهو أقل شيوعا من النكتة التي تحمل مفارقة في أحداثها.
وهناك نقطة أخرى تتعلق بالتاريخ للنكتة السعودية وهي أن وسائل الاتصال بين الناس في السابق كانت ضعيفة وتتمثل في التواصل الشفهي، ولهذا فقد لا تتاح للناس الفرصة لنقل النكتة او تلقيها كما يحصل الآن مع وسائل التقنية.
صانع النكتة
وأوضح د. ناصر ان النكتة هي أحد الأشكال اللغوية التي ينتجها الناس بمختلف مستوياتهم الثقافية والاجتماعية، وفي الغالب فان تلك الأشكال اللغوية التي تأخذ صيغا لغوية ثابتة (كالأمثال والحكم والألغاز والمعاضلات اللغوية والمعايير والنكت واللعائن) هي من إنتاج المجتمع لأنها - في الواقع - تعبر عن الضمير الجمعي للناس، وحتى لو قالها فرد أو نسبت إلى شخص معين، فذلك يحصل ضمن النشاط نحو نسبة كل شيء إلى أصله في محاولة للتوثيق التاريخي الذي تقتصر أهميته على فئة الباحثين عن الجذور، وهذا النوع من الاهتمام - بتوثيق إنتاج المجتمع - يمثل مظهرا من مظاهر شغف الإنسان بالبحث عن الأوائل (أول من قال، وأول من فعل.. الخ)، ولكن تلك الأشكال اللغوية حتى لو عين قائلها وعرفت مناسبتها فإنها تظل ملكا للمجتمع يستخدمونها في تعبيراتهم ويطبقونها في حياتهم وكأنها جزء من مكوناتهم الأساسية، ولعل النكتة خير مثال للاستدلال على أنها من إنتاج المجتمع، فهي حينما تروى او تنقل لا يهتم الناس بالمؤلف أو أول من قالها بقدر اهتمامهم بالحدث، ولابد من التوضيح هنا أن بطل القصة أو شخصيات القصة (التي تكون نكتة) يختلفون عن المؤلف أو القائل، وهنا يمكن الاشارة الى أن تسمية شخصيات النكتة أو تحديد إنتمائهم المكاني أو القبلي أو الطبقي إنما يحصل ضمن عملية التعميم النمطي (stereotyping) وهي عملية عقلية مرتبطة بالتنشئة والتثقيف التي يمر بها الأفراد وتستخدم هذه العملية النكتة بهدف اكساب القصة طابعاً واقعياً والدليل على ذلك أننا نجد نكتة معينة تروى في السعودية منسوبة لجماعة أو قرية وفي مصر لجماعة أخرى وفي سوريا لمجموعة مختلفة وهكذا تؤخذ أحداث القصة ثم تكيف مع البيئة المحلية لكي تحافظ على واقعيتها عند المتلقي.
أما لماذا تنسب النكتة لهذه الفئة دون تلك فهذا موضوع له علاقة بمواقف فردية مرتبطة بقيمة أخلاقية سلبية أو إيجابية عرفت في فترة زمنية ثم تداولها الناس كما وردت دون تدقيق لأن الذهن الشفهي يكون مستعداً لالصاق الصفات بالأشخاص بشكل نمطي ولهذا نجد صفات كالكرم والوفاء والشجاعة ترتبط بقبائل أو أماكن معينة وصفات كالبخل أو الغدر أو الخيانة مرتبطة بمجموعات أخرى والأمر نفسه مع الصفات العقلية (كالفراسة والنباهة والحمق والغباء.. إلخ) والصفات النفسية (كالصبر والعناد والرعونة.. إلخ)، ولهذا تلصق النكت بالمجموعات بما يتوافق مع ما في الذهن من معلومات عن تلك المجموعات بغض النظر عن صدق الصفة من عدمها لأن اسم الشخصية غير مهم في ذاته، على ان قراءة النكتة خارج سياقها قد يؤدي إلى استنتاجات أخلاقية غير دقيقة تتعلق بإعطاء أحكام تقييمية أو تقرير معايير مفترضة في التعامل أو وضع تصنيفات جاهزة للناس. ومع ذلك، فهذه الاستنتاجات التي قد تثير لغطا في المجتمع مما يكشف لنا عن مستوى التنميط ودرجاته عند المجتمع.
ناشر النكتة
واسترسل قائلاً: (ان ناشر النكتة فهو المجتمع الذي يجد في النكتة ما يعبر عن حاله، وقد يتولى مهمة النشر أشخاص معينون يملكون مهارة التقديم الشفهية في حال التداول الشفهي، أو رسائل الجوال والايميل التي صارت تصل إلى عدد غير محدود من المتلقين للنصوص المكتوبة. وهناك حاجة لدراسة عناصر مهمة في نشر النكتة شفهياً كالأداء وشخصية المؤدي وعلاقته مع الجمهور، فهذه عناصر لم تحظ بالاهتمام العملي في تسجيل أداء النكت وتصويره ثم تحليل ذلك ودراسته من الجانب الصوتي والأدائي والفولكلوري).
دول النكتة
وحول الدول التي تنتشر لديها النكتة قال (لا يمكن تصنيف الدول إلى دول تتداول النكت وأخرى محرومة منها، ولكن يمكن القول بأن النكتة تكثر أو تقل في دول دون أخرى أو في منطقة بخلاف أخرى لأن النكتة - بشكل عام - موجودة في الدول التي فيها بشر يمارسون حياتهم الطبيعية فتوجد على المستوى الرسمي وعلى مستوى النخبة ومستوى العامة وعلى مستوى الشعب. كما توجد عند المجموعات المسيطرة والمجموعات الهامشية وعند الأقليات وكأنها جزء من المجتمع. لكن إذا كان المراد نوعاً من النكت ذات خصائص معينة فهذه يمكن ربطها بمجتمع محدد فالمجتمع ا لمحافظ مثلاً تنتشر فيه نكت ذات موضوعات ربما لا تكون في مجتمع مفتوح فهناك ملاحظات على ان النكت ذات الطابع الجنسي قد تنتشر في المجتمعات التي لا توجد فيها سينما أو صالات عرض للأفلام، فتقوم النكتة في هذه الحال بمهمة السينما وكأنها تعويض مادي ومعنوي لعنصر عقلي مفقود مرتبط بعملية إنسانية هي التخيل. ولأن التخيل عملية عقلية طبيعية متاحة للبشر فإنه لا يمكن تقييد خيالهم من الخارج. ولهذا فإن إنتاج الخيال الاجتماعي مرتبط بالمعقول مما يمكن ان يحصل مثله على أرض الواقع حتى لو لجأ إلى المبالغة. ومع التخييل الحر تحصل الاضافات والمبالغات التي يجود بها الخيال المحروم من تصور العلاقات الطبيعية، وربما يكثر هذا النوع من النكت في فترة معينة ثم لا يلبث ان يخمد نتيجة تغير المؤثرات المحفزة له. وبالمثل فإن مجتمع المراهقين تنتشر فيه نكت ذات صياغة أو موضوعات يختلف عن مجتمع الكبار، وكذلك بالنسبة لمجتمع النساء ومجتمع الرجال فربما تكشف الدراسات وجود اختلافات في النكت عند كل مجموعة وعلى هذا الأساس يمكن دراسة العوامل التي تكون النكتة لدى فئة معينة من المجتمع وتجعل تداول النكتة بينهم أكثر من فئة أخرى.
تطور النكتة السعودية
الحديث عن تاريخ النكتة يقتضي استقصاء مراحل النشأة والتطور والتغير ومتابعة أشكال التغير الذي تتسم به النكتة وهل ذلك التغير هو تطور؟ وفي أي مستوى من مستويات تداول النكتة (الإنتاج، الأداء، النشر، التلقي) هذا ما أشار إليه د. ناصر حول تطور النكتة السعودية مضيفاً (يلاحظ ان التغير الذي مرت به النكتة السعودية حدث على مستويين: الأول يتعلق بالمحتوى والثاني في وسيلة نقل النكتة. فحينما تغيرت وسيلة نقل النكتة وصارت رسائل الجوال ورسائل الايميل هي التي تحمل هذه النكت بدلاً من المشافهة تغيرت بناء على ذلك عدة أشياء مرتبطة بهذه الوسيلة منها: التغير في الصياغة اللغوية بالبدء مباشرة بالقصة دون تمهيد يهيئ الذهن لاستقبال النكتة، وحذف التفاصيل والغاء الاستطرادات الجانبية، مما جعل حجم المادة يميل إلى الاختصار،
وكذلك التغير في طريقة كتابتها الذي صار يتضمن رموزاً للضحك او للحزن او للسخرية، اضافة الى التغير في المضمون بما يناسب وسيلة النقل كأن تتضمن بنية تعتمد على التصورات الذهنية عن قضايا مثل: الجنس او المرأة او العرب او الأجانب او الطعام او الأماكن او غيرها).
دلالات النكتة
ان القول بانتشار النكتة السعودية من عدمه مرتبط بمقارنة النكتة السعودية بغيرها من النكت العربية والعالمية، هذا من جهة؛ ومرتبط من جهة اخرى بمقارنة النكتة السعودية ذاتها بمراحلها التاريخية. وبسبب عدم توفر هذين المعطيين، فمن الصعوبة الجزم بأي نتيجة تتعلق بالانتشار.
اما الحكم على انتشار النكتة بأنه ايجابي ام سلبي فهو متعلق بنوع النظرة الى النكتة عموماً، والى زاوية الرؤية التي ينظر من خلالها الى النكتة، فهي ايجابية من ناحية دلالتها على المرح والانشراح؛ وسلبية من ناحية دلالتها على القهر والكبت والضغوط المتراكمة.
ومما يجدر ذكره ان تقييم سلوك بشري طبيعي كتداول النكتة هو مجرد رأي شخصي لا يقدم ولا يؤخر شيئاً في الأمر؛ ولكنه محل اهتمام الدارسين للتعرف على موقف المجتمع - ممثلاً في افراده - حول نظرة مجموعة منهم الى سلوك الآخرين ومحاولة تقييم تصرفاتهم العفوية. وقد تكون النظرة المقارنة للسلوك بين الأجيال (القديمة والحالية واللاحقة) هي المهيمنة على تلك الرؤية التي تربط شيوع النكتة بتقييم اخلاقي ايجابي او سلبي. على ان الربط بين انتشار النكتة في المجتمع بشيوع روح الفكاهة والمرح والبهجة او الفراغ والملل او الكبت والحرمان او حب الحياة والعمل او التشاؤم او الانفتاح الثقافي او الانعزال الفكري او غير ذلك من الاستنتاجات انما هو ربط مفترض يحتاج الى بحث عميق للتأكد من صحة تلك الفرضيات من عدمها.
ازدهار النكتة
وتذكر الدكتورة هويدا عبدالعظيم أستاذ مساعد في قسم التخطيط في كلية الخدمة الاجتماعية ان النكتة السعودية نشأت منذ فترة بعيدة جداً وازدهرت في الخمس سنوات الأخيرة، فقد كانت طويلة ومملة ولا يوجد لها قصد بعيد المدى، أما اليوم فأصبحت سياسية واجتماعية واقتصادية مرتبطة بالمستوى المعيشي للمجتمع وأفراده فأخذت طابعاً آخر وهي النكتة القصيرة والمعنى القوي، وقالت (في الوقت الحالي اصبحت النكتة تولد عندما يحدث داخل المجتمع حدث لا يرتاح له افراد المجتمع وتصنع بأعداد هائلة في وقت قصير وهذا الناتج دليل على وعي). وأشارت د. هويدا الى ان النكتة بدأت تظهر في السنوات الأخيرة وتحمل طابعاً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وانتشرت بسرعة بفضل وسائل الانتشار الحديثة، موضحة ان النكتة السعودية لها طابع متميز حيث تأتي على شكل دعاء او قصيدة قصيرة او احتساب الأجر عند الله وذلك لكون الشعب يميل الى التدين ويحب الشعر، والنكتة السعودية في الفترة الأخيرة تعبر عن مشاعر موجودة لدى المواطن السعودي، كما انها تعني وجود درجة من الوعي فهي تمثل ادراكاً للحقوق والواجبات، فمن المستحيل ان نضحك على نكتة ونحن لا ندرك ابعادها وليس بالضرورة ان تكون انت متعرض لها بالضبط فيكفي ان تعرف خلفيتها، علاوة على زيادة التعليم وتأثرهم بالمجتمعات الأخرى، معرفة الحقوق، وعدد من النكت يصنعها المثقفون، والنكتة في اي مجتمع تنفيس يعتبره الساسة تنفيساً صحياً، وعلماء النفس يقولون بمجرد التحدث والتعبير عن مشكلتك فقد قطعت جزءاً من حل المشكلة، والمجتمع السعودي كتوم وعندما جاءته الوسائل التي يستطيع التعبير من خلالها عن نفسه مع تمتعه بإخفاء شخصيته استغلها لأبعد حد.
المشاكل الكبيرة
وقالت (لابد ان تقوم النكتة ويصبح لها حدود لأنها قد تتسبب في مشاكل كبرى مثلاً عندما يكون شخص يعاني من البطالة ويجد نكتاً كثيرة تتحدث عنه سيضحك ولكنها ستحبطه جداً، علماً ان بعض المشاكل عندما تكون كبيرة ليس لها مخرج سوى الضحك). وشددت على اهمية دراسة وعمل ابحاث لمعرفة تأثير النكتة على المجتمع السعودي واستغربت تغيب الدراسات في هذا المجال خاصة من قبل اهل علم النفس والاجتماع فلابد ان يروا تأثير النكتة على الشعوب مع اخذ اعتبار متغير العمر والتعليم والوظيفة والمشكلة التي يعاني منها الفرد، واقترحت بأن تنظم جريدة "الرياض" استفتاء حول تأثير النكتة هل هو سلبي أم ايجابي؟.
وأوضحت ان الذين ينشرون النكتة هم الشباب ذكوراً وإناثاً وكل واحد فيهم له نكته الخاصة وهذا موجود في كل المجتمعات ولكنه في المجتمع السعودي اكثر نتيجة الانفصال بين الذكور والإناث والذي انعكس على النكت، وتنتشر النكتة في جميع الأعمار ويكون مرتفعاً لدى المرأة العاملة في الوسط التعليمي وذلك لارتباط المعلمات ببعضهن، فبعض المهن تكون بيئة خصبة لنشر النكت، فمثلاً مثلث الإدارة عليا وسطى ودنيا.
النكت الخليعة تنتشر في الدنيا والنكتة ذات الهدف في الوسطى، كما ان الرجال يميلون للنكت المتحرره بعكس النساء اللائي يملن للنكت الخاصة بعلاقة المرأة بالرجل، كما ان الرجل اكثر صناعة للنكتة من النساء، بينما المرأة تنشر النكتة التي تشتم الرجل، وأعتقد ان الرجال هم الذين يصنعون النكت التي ضد النساء ومعهن، علماً أن المرأة السعودية استفزتها النكت التي يصنعها الرجل عليها فبدأت تصنع النكت ضد الرجل السعودي وتدافع عن نفسها وهذا ايضاً درجة من الوعي وانفتاح على المجتمع ولمحت في خاتمة حديثها الى ان من شروط النكتة خفة الدم، علماً أن هناك اناساً صامتين ويميلون للهدوء ومع هذا يصنعون النكتة وهذا عائد لكونهم أكثر رصداً للظاهرة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.