هو وهم فردي أو اعتقاد جماعي بأنَّ تحقيق الثراء المالي يمكن أن يحدث بسرعة وبجهدٍ ضئيل، غالبًا عبر طرق غير تقليدية أو مُبالغ في إمكاناتها، مثل: المضاربات عالية المخاطر، أو المشاريع الوهمية، أو الاعتماد على الحظ. ويعتبر هذا الوهم أحد التحديات الحديثة في المجتمعات الاستهلاكية، حيث تغذيه وسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات التي تروِّج لقصص نجاح استثنائية تقدم ك"قاعدة" وليست استثناء. في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة والاعتقاد بعدم المساواة الاقتصادية، يصبح الثراء السريع حلما للهروب من الضغوط المالية اليومية. وتعزز الثقافة الاستهلاكية الرغبة في امتلاك سلع وخدمات فاخرة بسرعة، مما يدفع الأفراد إلى البحث عن طرق مختصرة. وتعرض منصات التواصل قصصاً لأشخاص حققوا ثروات ضخمة في أيام (مثل تجار العملات المشفرة أو المؤثرين)، مما يخلق "ظاهرة ال FOMO " (خوف الضياع). وتروج الإعلانات لمشاريع "استثمارية" وهمية توهم الناس بإمكانية تحقيق أرباح هائلة دون مخاطر، وفي بعض المجتمعات يُربط النجاح بالثراء الفوري، مما يُضعف قيمة العمل المتواصل والصبر. وراء التفكير في الثراء السريع هو ما يسمى بالتحيز الإدراكي (Cognitive Biases)، الذي يشمل على التحيز التأكيدي حيث يتم تركيز الفرد على القصص الناجحة فقط وتجاهل الفشل. ويشمل كذلك الوهم بالسيطرة، حيث الاعتقاد بأنَّ النتائج الاقتصادية تخضع بالكامل للإرادة الفردية، مع تجاهل العوامل الخارجية (مثل: الأزمات أو السياسات). إن تفضيل المكافآت السريعة على التخطيط طويل الأمد، هو سلوكٌ يُعززه انتشار منصات التداول السريع والمقامرة المالية، فيصبح الثراء السريع وسيلة لتعويض شعور داخلي بالفشل أو عدم الأمان، حيث يُنظر إليه كحل سحري لجميع المشكلات. قد يحدث "ثراء سريع" في حالات استثنائية، مثل الفقاعات الاقتصادية، مثل: فقاعة "دوت كوم" أو العملات المشفرة، حيث ترتفع الأسعار بشكل غير منطقي قبل الانهيار، والابتكارات الثورية مثل: شركات التكنولوجيا العملاقة التي غيرت قواعد اللعبة (مثل: "أبل" أو "تسلا")، لكن في الواقع العملي، هذه الحالات نادرة وغالبا ما تكون مرتبطة بعوامل خارج سيطرة الفرد، مثل: صعوبة التنبؤ ببداية أو نهاية الفقاعات، وارتفاع احتمالية الخسارة الكارثية مقابل فرصة الربح. وحتى لو حدث ثراء سريع، يصعب الحفاظ عليه دون استراتيجية طويلة الأمد. يُعتبر وهم الثراء السريع انعكاسًا لفهم مغلوط لكيفية عمل الأسواق المالية والنماذج الاقتصادية. فالاقتصاد الحديث يعتمد على مبادئَ مثل: الكفاءة السوقية (Efficient Market Hypothesis) التي تفترض أنَّ الأسعار تعكس جميع المعلومات المتاحة، مما يجعل تحقيق أرباح استثنائية بسرعة أمرا بالغ الصعوبة دون ميزة تنافسية حقيقية. ومع ذلك، ينجذب الكثيرون إلى مشاريع أو استثمارات تُروَّج على أنها "مضمونة" أو "فائقة الربحية"، غالبا بسبب جهل بهذه المبادئ أو تجاهلها. كلما زادت إمكانية العائد السريع، ارتفعت المخاطر المرتبطة به، فالاستثمارات عالية العائد (مثل: العملات المشفرة) غالبًا ما تكون غير مستدامة، وينتهي بها المطاف إلى انهيارات مفاجئة بسبب عدم وجود أساسيات اقتصادية قوية تدعمها. حتى في الأزمات، قد تُظهر بعض القطاعات نموًّا سريعًا، لكن هذا النمو يرتبط بعوامل مؤقتة (مثل: التحفيز الحكومي أو التغيرات التكنولوجية)، مما يجعله غير قابل للتكرار أو التنبؤ به. يبالغ الأفراد في تقدير قدرتهم على التنبؤ بالأسواق، متجاهلين أنَّ معظم النجاحات السريعة ناتجة عن الصدفة أو الظروف الاستثنائية، وليس عن مهارة أو استراتيجية. إن التفكير المنطقي يمكن الأفراد من تفادي الفخاخ الاقتصادية، مثل: الاعتماد على البيانات بدلاً من العواطف، وتحليل المؤشرات الاقتصادية والأساسيات (مثل: القيمة الدفترية أو تدفقات الإيرادات) بدلاً من اتباع الشائعات أو "نصائح" غير مدعومة. وتقييم ما يُضيع عند المراهنة على الثراء السريع مقابل الاستثمار في فرصٍ آمنة طويلة الأمد. وتوزيع الاستثمارات لتقليل المخاطر، بدلاً من وضع كل المدخرات في "فرصة ذهبية" وهمية. الاقتصاد يعلمنا أن الثروة الحقيقية تبنى عبر الادخار المنتظم، وتحويل جزء من الدخل إلى استثمارات آمنة (مثل: صناديق المؤشرات). والاستفادة من الفائدة المركبة، التي تحوّل الوقت إلى حليف قوي، حتى مع عوائد متواضعة. والاستثمار في رأس المال البشري مثل: التعليم والمهارات، التي تزيد من فرص تحقيق دخل مستدام. يقول بول سامويلسون الاقتصادي الحائز على نوبل :"الاقتصاد هو العلم الذي يدرس كيفية تخصيص الموارد النادرة، لكنه أيضًا يدرس جنون البشر في محاولة تجاوز قيود الندرة". حتى يتم تجاوز فكرة الثراء السريع؛ لا بد من نشر الثقافة المالية لتمييز الفرص الحقيقية من الاحتيال، مع التركيز على مبادئ مثل: التنويع (Diversification) وإدارة المخاطر. وتشجيع الأفراد على اتباع استراتيجيات طويلة الأمد، مثل: الاستثمار في الأسهم أو العقارات عبر فترات زمنية ممتدة. وتوعية الجمهور بكيفية تحليل المعلومات المالية بوعي، وتجنب الاندفاع وراء الاتجاهات العابرة. وإعادة تعريف النجاح ليشمل الإنجازات غير المادية، مثل التوازن بين الحياة والعمل، والصحة النفسية. وهم الثراء السريع هو انعكاسٌ لأزمات نفسية واقتصادية عصرية، لكنه يظل خياراً غير عقلاني في أغلب الأحيان. البديل يكمن في الجمع بين المعرفة المالية والصبر، لبناء ثروةٍ حقيقية تدوم، ولا بد من ضرورة النظر إلى الثراء كنتاج للجهد المستدام والقيمة المضافة للمجتمع، وليس كحلم وهمي يُبنى على المغامرات العشوائية.. يقول بيل غيتس :"الثروة الحقيقية لا تُقاس بالمال، بل بما تتركه وراءك من إرث".