يُردُّ أصل كلمة «الناس» إلى «النوس»، والنوس يدلّ على الحركة؛ حركة فيها اضطراب، وكلمة «نَاس الإبل» أي ساقها، و»أنَاسه» أي حرّكه. فكلمة «الناس» في أصلها كلمة دالّة على الحركة لا السكون، والإنسان في أصله كلمة دالة على الأنس لا التوحش إذ يدل الإنسان على ما يقبل من الآدمي وما خفي منه فهو الموحش ، فأصل تعريف الإنسان بظاهره أصل فعاليّة مؤنسة لا جمود – لا كما شاع مع المنقول تعريفه بالثابت الجوهر-. ف «الناس» جمع متحرّك، ولا حركة إلا لمقصد وجِهة، وهذا الجمع لأفراد من الإنسان، في أنسهم ببعضهم أو في ظهورهم، حركة نحو قصد معيّن. وعند ربط هذا القصد بدلالة «نوس»، الحركة المرتبطة بالاضطراب، يدلّ على تذبذب ما (كما في حديث أم زرع «وأناس من حُليّ أذنيّ»). وقد قابل د. مصطفى حسنين دلالة الاضطراب في القرآن الكريم بالاطمئنان، مفرّقاً بين ما اضطرب وما اطمئن، عند تمييزه بين قوله تعالى «يا أيها الناس» و»يا أيها الذين آمنوا»، فنداء الله للناس نداءٌ لهم في حال حركتهم واضطرابهم، حتى إذا تحددت وجهتهم واطمأنت قلوبهم ناداهم بما يدل على الطمأنينة لا الاضطراب، وهو «يا أيها الذين آمنوا». ولعلّ توجيه د. مصطفى يُربط بدلالة سورة «الناس»، التي نكررها في أذكار الصباح والمساء؛ في حاجتنا اليومية للطمأنينة، وأن نتعوذ بالله من دخول الاضطراب عبر الوسوسة، فنعوذ بربّ الناس، وإلههم، وملكهم (كرر الناس ثلاثاً)، من مدخل الاضطراب فينا وهو «الوسوسة»، إن من إنسيّ ظاهر أو جنيّ خفيّ، إذ كل اضطراب يأتينا قد تظهر أسبابه أو تخفى. فأول الاضطراب لا حركة البدن، بل حركة القلب «صدور الناس»، التي تُصدرُ بفعل القلب الأفعال التابعة لأثر الوسوسة في القلب. وعند تذكّر قصّة آدم عليه السلام، وسكنه في الجنّة واطمئنانه، فإن أوّل اضطراب هو «وسوسة الشيطان»، فتحوّلت السكينة والطمأنينة إلى اضطراب في القلب تبعه اضطراب في الحركة «وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنّة». ومعرفة أن القلب الإنساني في أصل خلق الإنسان في حال حركة واضطراب (فهو دائم التقلّب لخصيصة الإنسان المتحرّكة)؛ يجعلنا نتعرف على منافذ الاطمئنان: الاستعاذة بالله سبحانه وتعالى منه، وذكره سبحانه «ألا بذكر الله تطمئنّ القلوب»، وتتبع كل مسالك الطمأنينة التي جاءت في القرآن الكريم، كذا عند معلّم القرآن الكريم «ويعلمهم الكتاب والحكمة» وهو نبينا صلى الله عليه وسلم، والسعي للتخفف من كل ضغط يجعل القلب مضطرباً، مهما كانت هذه الضغوط «إنّ لنفسك عليك حقّاً»، إن من جهة قلبيّة روحيّة، أو من جهة نفسيّة تتطلب طبيباً حاذقاً. ولعل أبرز باب ينفذ منه الشيطان إلى قلب المؤمن هو «القضاء والقدر»؛ فيضطرب الإنسان، خصوصاً إن جعل حياته رهينة أمنياته، أو قارن نفسه مع غيره، رغم أن لكل حياة مسارها، كما أن لكل يد بصماتها. لذا كان المجابه للاضطراب في باب القضاء والقدر هو «الإيمان»، لا مجرّد عبادات أركان الإسلام التي قد تُصلح حال الإنسان، لكن يبقى في قلبه اضطراب يحتاج لحبل متين يرفعه، وهو «الإيمان». ومن اطمئنّ قلبه فقد تحرر من القلق، والتكلّف، والخوف... وغيرها من اضطرابات نفسه، أو على الأقل خفف من حدّتها، وسينعم بالأمان والسكينة، وسيكون لمن حوله ملاذاً وأمناً، وعند الملمّات والخطوب يظهر الثابت المطمئن ممن كانت سلامته لسلامة واقعه من الحوادث، لا سلامة قلبه من العثرات والاضطرابات.