أقبلتَ يا شهرًا لا تحلو سنين العمر من دونه، طاعةٌ لله، ومرضاةٌ له، وبرٌ وإحسان، وفيضٌ من صالحات، تغمر النفس بنفحات من عطور الروحانيات، والتراحم، والود، والأخوة، تزهر جميعًا في أيامه الثلاثين كأزكى ما تكون أحاسيس الاطمئنان، ومعاني السكينة، والكل متحلقٌ حول نسائمه العليلة، يستنشق شذا معانيه الجليلة، ويستشعر مع كل "الله أكبر" فجرًا ومغربًا أن الإسلام وجد ليُحيي، وجاء ليُسعِد، وسُنّتْ تشريعاتُه ليغمر الأرواح بما يسد ظمأها، وليسلك في النفس مشاعر من نور، تلتف حول الأسر والعائلات، وتتنقل بين الأرواح، لتذكرنا كل يوم بأن رمضان ضرورة وحاجة وأيضًا رغبة، فبه نشعر كل عام بأن الصورة تكتمل، وأن مشهد الحياة يسير بالشكل الصحيح، وأن عامنا الذي فيه نصوم قد بلغته البركة، ونزلت بساعاته وأيامه الرحمات، فرمضان لا يجمعنا فقط حول موائدنا المباركة، ولكنه أيضًا يجمع البركة حولنا، فيجعل ألسنتنا وقلوبنا تتناغم كأنها في سياقٍ واحد تصنعه نفوسٌ تستشعر الرضى، وتفيض بشكر واهب النعم، الذي بلغنا شهره الفضيل غير فاقدين ولا مفقودين. وككلِ عام، لا يسعنا إلا أن نذكر أنفسنا بحاجتنا إلى زيادة وتيرة الحب في شهر الحب، فالتراحم، وصلة الأرحام، والعطف على الفقراء والمحتاجين، ومساعدة اليتيم والمحتاج والغارم، وبذل ما نطيق وما نستطيعه لإسعاد الجار، والزميل، والصديق، والقريب والبعيد، بما يقدرنا الله ويوفقنا إلى فعله - هو عملٌ مشترك لنا جميعًا في كل رمضان. ولأن رمضان لا يشبهه شيء، فحياتنا فيه لا يشبهها شيء، فقلما نجد من يرى رمضان كغيره من بقية الشهور، ولذا قلما سنجد من لا يدرك أهمية الأعمال المميزة في هذا الشهر الفضيل. ومن الأعمال المميزة حقًا أن نكون سندًا لكل محتاج، وطمأنينة لكل من دخل إلى نفسه التوتر والضيق، وتخفيفًا عن كل من بصدره ألم أو حزن، فلا يكون رمضان فقط وقتًا لتحسين علاقاتنا الاجتماعية، ولكن لنتحسس الصامتين، القابعين في ركنٍ خفي في مكانٍ ما في بيوتنا، تصرخ أعماقهم بصمتٍ، ولا يشعر بهم أحد، فلنحتضنهم، ولنواسيهم، ولنساعدهم على إيجاد الحلول لهم، ولنكن لهم إخوة وأخوات بحق، وآباء وأمهات بحق، وأصدقاء وصديقات بحق، فرمضان يغسل صدرونا ببركته، لنزيل عن تلك الصدور أحمال ما قبل رمضان وما بعده، ولنستغل إذن هذا الصفاء ليس فقط لنصفو مع أنفسنا، ولكن أيضًا لنكون الأهل والأصحاب الذين أصبحوا لا يشبهون أولئك الذين اختطفتهم مشكلات الحياة قبل رمضان. فكل رمضان ونحن أقرب، أقرب إلى الله أولًا، ثم أقرب إلى إنسانيتنا ثانيًا.