يُبرِز لنا تراثنا الإسلامي صوراً مشرقة، ترسخ مبدأ التكافل الاجتماعي الذي جاءت الشريعة الإسلامية مؤكدة مبادئه السامية، من ذلك الخدمات الصحية المتقدمة، التي كانت شائعة في أقطار شتى من بلاد العالم الإسلامي؛ حيث عرف ما يسمى «البيمارستانات» الوقفية، التي تقدم خدمات طبية وعناية ورعاية بالمرضى والعجزة والمسنين وذوي الاحتياجات الخاصة، وفق تنظيم غاية في الجودة والإتقان. وتعد المشافي الوقفية إحدى المفاخر الشامخة في التاريخ الإسلامي، ومن أمثلتها: البيمارستان العضدي ببغداد، والبيمارستان النوري في دمشق، والبيمارستان المنصوري في القاهرة، وبيمارستان مراكش، والبيمارستان المقتدري، واللافت أن بعضها تم تخصيصه للفقراء من دون الأغنياء، فيتم علاجهم من دون مقابل، مثل البيمارستان؛ حيث تم تخصيصه للفقراء من دون الأغنياء، كما طالت يد الرعاية الطبية لهذه البيمارستانات الفقراء في منازلهم، وهو ما يعرف اليوم ب (الطب المنزلي)؛ فقد نص السلطان قلاوون في كتاب وقفية البيمارستان، الذي أنشأه على أن تمتد الرعاية الصحية إلى الفقراء العاجزين، ويصرف لهم ما يحتاجون من أدوية وأغذية، كما وجد وقف خصص ريعه لتوظيف اثنين يمران بالبيمارستان يومياً، فيتحدثان بجانب المريض حديثاً خافتاً؛ ليسمعه المريض عن احمرار وجهه، وبريق عينيه، بما يوحي له بتحسن حالته الصحية. ويعد مشروع صندوق الوقف الصحي إحدى المبادرات المجتمعية الاستراتيجية المميزة، التي تحيي الدور الريادي للوقف في خدمة المجتمع، حيث صدرت موافقة مجلس الوزراء بتاريخ 21/ 06/ 1440ه على تعديل تنظيم الوقف الصحي، الذي يعد ضمن مبادرات التحول الصحي الرامية إلى إيجاد وعاء وقفي نوعي متخصص، يتيح للواقفين المساهمة في الرعاية الصحية. وهذا المشروع متعدي النفع، الذي تبنته مشكورة وزارة الصحة، سيسهم في تحفيز الواقفين والمؤسسات الوقفية المانحة؛ للمساهمة في الصندوق؛ للخروج بمشروعات طبية، وتأسيس مستشفيات وقفية على أعلى طراز، وسيطور من المستشفيات الوقفية القائمة كمستشفى الملك فهد الوطني لأورام الأطفال. ويعد هذا المستشفى من أضخم المراكز الطبية المتخصصة في علاج أورام الأطفال، وتبلغ نسبة من ينتهي علاجهم بالمركز بنجاح أكثر من 80 في المئة. ومركز سعود البابطين لطب وجراحة القلب في المنطقة الشرقية وغيرهما من المراكز والمستشفيات الطبية الوقفية، التي تحتاج إلى مزيد إنضاج؛ للارتقاء بمستوى المستشفيات الوقفية، لتصل إلى مثيلاتها في العالم. نتطلع في القريب العاجل إلى أن يكون لوجود «صندوق الوقف الصحي» بوصفه حاضنا للوقف الصحي دور في تحفيز رجال الأعمال والشركات الكبرى لتخصيص مستشفيات وقفية متعدية النفع، تسهم في تقديم مشروعات طبية رائدة من خلال هذا الصندوق.