الأسهم الأوروبية تغلق على ارتفاع    الملك وولي العهد يعزيان رئيس الصين في ضحايا حريق مجمع سكني بهونغ كونغ    الأهلي يكسب القادسية ويتأهل لنصف نهائي كأس الملك    ركلات الترجيح تقود الأهلي للتفوق على القادسية في كأس الملك    روسيا: فضائح الفساد في أوكرانيا تقوض عملية السلام    إحباط تهريب (15) كيلوجرامًا من مادة الحشيش المخدر في جازان    قطر تستضيف كأس الخليج العربي تحت 23 عامًا    أمانة جازان تنفّذ مبادرة للتشجير ضمن حملة "تطوّعك يبني مستقبل" لتعزيز جودة الحياة    حاضنة مأمني الإبداعية توقع اتفاقية تعاون مع جمعية "معًا" لإطلاق نادي إعلامي واحتضان الفرق التطوعية    بلدية أبوعريش وجمعية أثر تنفّذان مبادرة لتطوير السلامة المرورية وتحسين المشهد الحضري    نادي ثَقَات الثقافي يُكرّم صحيفة الرأي الإلكترونية    «نور الرياض».. خمس سنوات من الإبداع    أسماء عالمية تشعل ربع نهائي كأس الملك وتُبرز ثِقل المدارس التدريبية    الأولمبياد الخاص السعودي يشارك في كأس العالم لكرة السلة الموحدة    تحت شعار "صحة روح"… جمعية روح الصحية تنفّذ برنامج الفحص المبكر عبر تحاليل الدم بمحافظة العارضة    القيادة تهنئ رئيس ألبانيا بذكرى استقلال بلاده    أمانة الشرقية تنفّذ تجربة فرضية للتعامل مع حالات انهيار الأنفاق    اللواء محمد الهبدان يجري عملية قلب مفتوح ويشكر سمو وزير الداخلية على متابعته المستمرة    إيلارا... منصة عربية تحتفي بإبداعات الشباب وتطلق ست فئات للمنافسة    الأحساء أنموذجا للتنوع الثقافي عربيا    الشيخ أسامة خياط يدعو إلى الأخوّة واجتناب الإيذاء ولزوم القول الحسن    الشيخ خالد المهنا يبين منزلة الصبر وفضله في حياة المؤمن    زلزال بقوة 5.1 درجة يهز وسط إيران    سعر اوقية الذهب يرتفع الى 4189.61 دولار    رحيل دوفرينيس عن تد ريب الباطن    الشباب يُحدد موقف حمدالله    وزارة الاتصالات تختتم هاكاثون الذكاء الاصطناعي التوكيلي agentx    بوتين: روسيا ستوقف القتال إذا انسحبت أوكرانيا من أراض تطالب بها موسكو    نائب أمير حائل يرفع شكره و امتنانه للقيادة    إجازة الخريف تسجل أسعارا فلكية للفنادق والطيران    الرياض تستضيف المؤتمر الدولي للتعليم والابتكار في المتاحف    جازان تودع شاعرها المدخلي    مقاربة أمريكية إسرائيلية لتفادي الحرب المباشرة مع إيران    الأمين العام لمجلس الشورى يرفع الشكر للقيادة بمناسبة تمديد خدمته أمينًا عامًا للمجلس    تجمع الرياض الصحي الأول يعزّز جاهزية الرعاية الصحية في معرض الطيران السعودي 2025    بدر الشهري مديرًا لإدارة المساجد والدعوة والإرشاد بمحافظة بيشة    السيف العقارية تستحوذ على أرض صناعية في الظهران بمساحة مليون م2 وبقيمة تتجاوز 430 مليون ريال    حوارات تحت سقف واحد.. بين الفردية وشراكة الحياة الزوجية    هيئة تنظيم الإعلام تحيل 6 أشخاص إلى النيابة العامة بسبب نشر محتوى يؤجج الرأي العام    "التخصصي" يستضيف قمّة التعاون في الجراحة الروبوتية بالرياض    علماء صينيون يطورون لسانا اصطناعيا لقياس مستوى الطعم الحار    وسط خلافات مستمرة حول بنود حساسة.. الكرملين يؤكد استلام النسخة الجديدة من «خطة السلام»    تقمص هيئة والدته «المتوفاة» لأخذ معاشها    تشمل خمس قرى وتستمر لعدة أيام.. إسرائيل تطلق عملية عسكرية واسعة بالضفة الغربية    استعرضا عدداً من المبادرات والمشروعات التطويرية.. أمير المدينة والربيعة يناقشان الارتقاء بتجربة الحجاج    عبر منظومة خدمات لضيوف الرحمن.. الحج: 13.9 مليون مرة أداء للعمرة خلال جمادى الأولى    وسط تحذيرات إسرائيلية من تصعيد محتمل.. اتفاق لترسيم الحدود البحرية بين لبنان وقبرص    «الثقافة» تعزز الهوية الوطنية في المؤسسات التعليمية    أكد أن مؤتمر «حل الدولتين» حقق نجاحاً كبيراً.. الدوسري: توظيف العمل الإعلامي العربي لخدمة القضية الفلسطينية    خلال المؤتمر العالمي ال48 في جنيف.. السعودية تحرز 18 جائزة دولية عن تميز مستشفياتها    سلالة إنفلونزا جديدة تجتاح أوروبا    الباحة تقود الارتفاع الربعي للعقار    ملف الرفات وتحديات الهدنة: تبادل هش ومصير معلق في غزة    إتاحة التنزه بمحمية الطوقي    المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الإعلام العرب يعقد أعمال دورته ال21    أمير تبوك يستقبل القنصل العام لجمهورية الفلبين    خالد بن سلمان يرأس وفد المملكة باجتماع مجلس الدفاع المشترك.. تعزيز التعاون العسكري والدفاعي بين دول التعاون    موسكو تطالب بجدول زمني لانسحاب الاحتلال    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مجتمعنا وأزمة السياق الأخلاقي
نشر في الرياض يوم 16 - 12 - 2005

من المسلّم به لدى الكافة أن مجتمعنا السعودي يكاد يكون أكثر المجتمعات الإسلامية المعاصرة إنتاجاً واستهلاكاً للثقافة الدينية
الأخلاق بعمومها ومنها الأمانة والنصح للغير وعدم الغش أو الكذب وستر عورات الناس وتجنب الفحش في الأقوال والأفعال وعدم المجاهرة بالفحشاء والمنكر تعتبر في مقدمة ما جاءت به الشرائع السماوية التي بُعث بها الأنبياء عليهم السلام، بحيث اتخذت المنظومة الأخلاقية والحقوقية الإنسانية أهمية قصوى في آلية وكيفية تنظيم الشرائع للمجتمعات البشرية نسبة لكونها تقع في صميم ما تحتاجه الحياة الاجتماعية لإدامة العلاقات المشتركة الضرورية بين الناس على أساس سليم وقوي من السلم والموادعة والإخاء والسلام، ولذلك فإن ماهو مفترض وطبيعي في ظل هذه الحقيقة المعلومة من الشرائع بالضرورة أن تظل العلاقة طردية بين درجة تدين المجتمع ودرجة محافظته الأخلاقية.
من ناحية أخرى فإن من المسلّم به لدى الكافة أن مجتمعنا السعودي يكاد يكون أكثر المجتمعات الإسلامية المعاصرة إنتاجاً واستهلاكاً للثقافة الدينية، فالمحاضرات وأشرطة الكاسيت والمطويات ومنابر الدعوة والجمعيات الخيرية لحفظ كتاب الله ودورات العلوم الشرعية التي تقام في كثير من المناسبات لحفظ متون الكتب التراثية بلغت - خاصة من بداية عقد الثمانينيات من القرن الماضي وحتى الآن - مبلغاً من الكثرة والانتشار بحيث إذا أضيف لها ما يتلقاه الطالب السعودي من مواد دينية مكثفة سواء ما يُعطاه منها في مراحل التعليم العام أو العالي فإننا نستطيع القول معه بصيغة الجزم إن مجتمعنا السعودي أصبح في وضع خارج المنافسة فيما يتصل بكثافة جرعة الثقافة الدينية التي يتلقاها أفراده، مما يفترض معه أن يكون المجتمع السعودي - مع افتراض تلازم المسار الأخلاقي طردياً وعكسياً مع درجة كثافة التلقي الديني - أكثر المجتمعات محافظة على القيم الأخلاقية خاصة ما يتصل منها بتجنب المجاهرة بالفواحش الفردية أو إشاعتها بالنسبة للآخرين، فهل مجتمعنا السعودي فعلاً على تلك الدرجة من المحافظة القائمة على التلازم المساري بين الدين والأخلاق؟.
لا بد من القول أولاً بأن درجة المحافظة بعمومها وسط المجتمع لا زالت بحمد الله بخير، ولكن ما بدأ يتلقفه السياق المعاصر لمجتمعنا من تجاوزات أخلاقية سيئة جعلت من المناسب التساؤل عن سر عدم تناسب ما يتلقاه أفراده من جرعات دينية عالية مع ما بدأ يتعاطاه بعض أفراده من ممارسات أخلاقية شاذة خاصة في مجال تناول وتداول ما يؤذي ويجرح مشاعر الآخرين والذي يمكن أن يجر إلى ما هوأسوأ منه في المستقبل، يمكن الحديث هنا - لاستصحاب أمثلة على تلك التجاوزات الأخلاقية - عما صاحب دخول تقنية أجهزة المحمول المزودة بتقنية التصوير المتحرك والبلوتوث من تجاوزات أخلاقية خطيرة تمثلت في قيام بعض الشباب والشابات بتصوير أنفسهم في أوضاع مخلة بالآداب وبثها ضمن تقنية البلوتوث المزودة بها أجهزة المحمول مما يسر وييسر وصول الصور إلى أكبر عدد ممكن من الأفراد، ولربما وصل الأمر حد التفاخر بتلك الممارسات( للتدليل على وجود ذلك الأمر وخطورة إمكانية تحوله إلى ظاهرة انظر التحقيق الذي أجرته الزميلة أمل الحسين في هذه الجريدة بتاريخ 11/12/2005م) كما يجب أن لا ننسى ما حدث منذ فترة ليست بالقصيرة عندما قام بعض الشباب بالاعتداء على أعراض فتيات غافلات مؤمنات فيما عُرف فيما بعد بحادث نفق النهضة بالرياض وتصوير أنفسهم لحظة قيامهم بذلك العمل المشين الذي تنفر وتقشعر منه الأنفس السليمة وبث الصور على نطاق واسع على شبكة الإنترنت وتقنية البلوتوث لتصل إلى أكبر عدد ممكن من حاملي تلك الأجهزة الذين لا ينفر الكثير منهم أو تشمئز نفوسهم أو تعذبهم ضمائرهم وهم يشاهدون مثل تلك اللقطات وغيرها مما لا يرضونه لأنفسهم أو لمن يعولون، والسؤال هنا عن السبب الذي أطلق العنان لهذا المكبوت المنفلت من ضوابط الأخلاق رغم ما يتلقاه المجتمع على مستوى كافة فئاته العمرية من جرعات دينية عالية؟ ما الذي يجعل الكثير من أفراد المجتمع لا يتحرج من مشاهدة لقطات في غاية السوء والانحطاط مثلما يتحرج من وصمه باختلال ميزانه العقدي تجاه مذاهب أو منطلقات إسلامية معينة، أو خوفه من خرقه لحكم ظني في عبادة أو معاملة بيعية أو بنكية وما شابهها، رغم الفارق الكبير في النتائج المترتبة على كل منها؟
يرجع السبب في تقديري - على الأقل في جزءٍ كبيرمنه - إلى التركيز في خطابنا الديني بعمومه على الجانب العقدي والعبادي بشكل استحوذ على النسبة الكبرى من نشاطاته، فيما يخفت أو يكاد يختفي الجانب المنظم للأخلاق وحقوق الإنسان من أدبيات ذلك الخطاب، ما يبقى عادة من مساحة بعد الإشباع العقدي والعبادي فهي تصرف لمواضيع من قبيل مشاكل الأسرة وأمور الزواج والعشرة السعيدة ومع ذلك فهي لا تأخذ حيزاً جاداً ومثيراً ومركزاً عليه مثلما هو الأمر بالنسبة للجانب العقدي أولاً يليه ما يختص بالجانب العبادي ثانياً، رغم أن أمر الأخلاق وحقوق الإنسان يجب أن تعطى لهما الأولوية لاختصاصهما بتنظيم بالعلاقة بين الناس على أساس سليم وهي - أي العلاقات بين الناس - مما شدد الإسلام على مراعاة جانبه مقارنة بغيره مما يتم التركيز عليه عادة في خطابنا الديني مما يختص في عمومه بعلاقة العبد بربه تعالى التي يبنى التقصير فيها على المسامحة وذلك بوقوعها تحت مشيئة الله تعالى ورحمته بعباده أقرب، بينما تبنى حقوق العباد ومنها مشاهدة ما لا يريدون مشاهدته منهم أو قسرهم على استقبال المناظر السيئة التي يخشون من تأثيرها عليهم وعلى عوائلهم على المشاحة التي لا يغفر الله تعالى التقصير في جانبها إلا بعد مسامحة من غُمِط حقه فيها، يحدث كل هذا العبث بالأخلاق في الوقت الذي رتب فيه الإسلام وعيداً شديداً على من جاهر بفحشائه ومنكره حتى ولو كان محسوباً عليه وحده، إذ روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( كل أمتي معافاة إلا المجاهرين، وإن من الإجهار أن يعمل العبد بالليل عملاً ثم يصبح قد ستره ربه فيقول يا فلان قد عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه فيبيت يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه) بل إن الإسلام رتب وعيداً شديداً حتى على من يكشف ما قد يدور بينه وبين أهله من أمور مباحة شرعاً، صيانة للفضيلة ودرءاً للرذيلة، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها) وقد علق النووي على هذا الحديث بقوله (وفي هذا الحديث تحريم إفشاء الرجل ما يجري بينه وبين امرأته من أمور الاستمتاع، ووصف تفاصيل ذلك وما يجري من المرأة فيه من قول أو فعل ونحوه. فأما مجرد ذكر الجماع، فإن لم تكن فيه فائدة ولا إليه حاجة فمكروه لأنه خلاف المروءة) وإذا كان هذا في الأمور المباحة، فما بالك بما هو محرم؟ ثم ما بالك بما إذا صاحب ذلك مجاهرة بالفحش ومفاخرة فيه؟ ألا يعني ذلك أن مجتمعنا يمر بالفعل بأزمة أخلاقية تحتاج إلى التفاتة قوية من كل من يعنيه الأمر وكلنا ذلك الرجل؟ ثم ألا يحق لنا بعد كل هذا أن نزعم أن أسباب ذلك - على الأقل في جانب كبير منه - إلى غياب ثقافة الأخلاق وحقوق الإنسان من منظومة وسياق خطابنا الديني بمجموعه الذي ركز على ما هو مبنيٌ على المسامحة وهمش ماهو مبنيٌ على المشاحة، وهو ما يدعونا إلى الدعوة إلى إعادة صياغة خطابنا الديني بكافة فروعه بما يكفل إعادة ترتيب الأولويات التي يجب أن يكون على رأسها ترتيب ما من شأنه إعادة الكشف عن مضمون النظام الأخلاقي والحقوقي في الإسلام لمواجهة أزمة أخلاقية خانقة لا زلنا في بداية فصولها ومرشحة للمزيد مع التطور التقني المتسارع في وسائل الاتصال.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.