ينظر بعض العقلاء بعمق إلى أن كلمة (لبيك) ليست كلمة عابرة، فنحن عندما نقو : (لبيك اللهم لبيك) نعلن طائعين مختارين صادقين مؤمنين متجردين بأننا نلبي داعي الله.. لكن هل تكون حقيقة تلبية هذا الداعي هي مجرد الاحرام أو الوقوف بعرفة؟ أو الرجم؟ أو الطواف؟ أو القص والحلق والتقصير؟ أم هي أعمق من ذلك!! أي انه اعلان التجرد والتسليم واجابة داعي الله، وكأننا نستمع الى نداء الله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا أجيبوا داعي الله اذا دعاكم لما يحييكم). وأول موجبات التلبية هي النظافة، والطهارة من الداخل والخارج، والتجرد.. أما الطهارة فمن كل الدنائس المادية والمعنوية، واولها نظافة القلب والعقل، وأن يكون الاحرام من حلال، والركوب من حلال، والطعام من حلال، والشراب من حلال، والسكن من حلال، وإلا فكيف نقول : (لبيك ) وكل ما لدينا أو بعض ما لدينا من حرام وليس من حلال، فيأتي الجواب: (لا لبيك ولا سعديك). ومن المهم أن نعلم حقيقة لا يختلف عليها اثنان وهي قضية النية، وأن تكون نية خالصة لوجه الله تعالى، وأن الحاج نوى أن يتجرد لهذا الحج فلا يفسق ولا يرفث ولا ينوي ايذاء لأحد ولا يبيت سوءاً بشكل مباشر أو غير مباشر بل يعقد العزم على أنه في جميع خطواته وروحاته وسكناته وتحركه إنما يقصد وجه الله عز وجل وأداء هذا النسك ويوطد نفسه على النظافة من الداخل والخارج وأن يتأدب بآداب الاسلام فلا يؤذي احدا ولا يشترك في أي عمل يضر بحجاج بيت الله افرادا أو جماعات بل يتأدب بآداب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحج وأن يكون رحيما متعاطفاً مع من حوله يعاملهم معاملة الاخوة الاسلامية ولا يقسو على أحد منهم ولا يؤذيهم ولا يتكبر ولا يتغطرس ولا يحتقر احدا بل يتحرك بأدب كامل حتى يتحقق الهدف الأسمى، ثم انه يتذكر بأن هناك سننا وآدابا ومقومات هامة يجب ان يبدأ بها قبل ان يشرع في الحج من أهمها: 1 ان يتوب من جميع المعاصي. 2 ان يتخلص من مظالم الخلق ويقضي ما أمكنه من ديونه ويحرر سندات بما لا يستطيع تسديده. 3 وان يستحل من كل من بينه وبينه معاملة أو مصاحبة. 4 وأن تكون نفقته حلالا خالصة من الشبهة فقد ورد انه (إذا قال الحاج لبيك اللهم لبيك) قال الله له : لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك حتى ترد ما في يديك). 5 ترك المخاصمة والمشاحنة مع الرفاق وغيرهم. 6 ان يتعلم كيفية الحج وهذا فرض عين. 7 ان يرافق عالما او كتابا واضحا في المناسك جامعا لمقاصدها. 8 ان يبتعد عن أعمال التجارة الا ان يكون مضطرا لنفقة حجه. 9 واذا ادى حجة الفرض ان يحج عن غيره فذلك اعظم لأجره فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما قال : من حج عن ميت كتب للميت حجة وللحاج سبع حجات وقد روى الدارقظي عشر حجج. 10 ان يبتعد عن الغيبة والجدال والشتم واللعن والسباب وجميع الألفاظ القبيحة فقد قال صلى الله عليه وسلم من حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته امه. 11 ان يرفق بالسائلين والضعفاء ولاينهر احدا منهم ولا من غيرهم. أما عن الموقف العظيم يوم عرفه وهذا يوم من أيام الله التي يتعرض فيها الناس لرحمة الله ورضوانه وعفوه ومغفرته وينادون بالدعاء والتلبية يرددون (لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك ان الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك) ثم يدعون بدعاء عرفة ومن دعاء عرفه : (لا اله الا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي بصري نورا اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري اللهم يا رفيع الدرجات، ومنزل البركات، ويا فاطر الأرضين والسموات، ضجت إليك الأصوات بصنوف اللغات.. نسألك الحاجات، وحاجتي أن لا تنساني في دار البلى إذا نسيني أهل الدنيا. اللهم انك تسمع كلامي وترى مكاني وتعلم سري وعلانيتي، ولا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير الرجل المشفق المعترف بذنبه، اسألك مسألة المسكين، وابتهل اليك ابتهال العبد المذنب الذليل، وادعوك دعاء الخائف الضرير، دعاء من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عبرته، وزلت لك جبهته، ورغم لك انفه، اللهم لا تجعلني بدعائك ربي شقا، كن بي رؤوفا رحيما يا خير المسؤولين وأكرم المعطين. اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة، وقنا عذاب النار.. اللهم اني ظلمت نفسي ظلما كثيرا كبيرا وانه لا يغفر الذنوب الا انت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني انك انت الغفور الرحيم. اللهم اغفر لي مغفرة تصلح بها شأني في الدارين، وارحمني رحمة واسعة، اسعد بها في الدارين، وتب علي توبة نصوحا لا أنكثها ابدا.. وألزمني سبيل الاستقامة، لا ازيغ عنها ابدا.. اللهم انقلني من ذل المعصية الى عز الطاعة، واكفني بحلالك عن حرامك، واغنني بفضلك عمن سواك.. ونور قلبي وقبري وأعذني من الشر كله، واجمع لي الخير كله.. اللهم اني اسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى اللهم ارزقني اليسرى وجنبني العسرى.. وارزقني طاعتك ما ابقيتني. استودعك ديني وامانتي وخواتيم عملي، وبدني ونفسي، واهلي واحبابي، وسائر المسلمين.. وجميع ما أنعمت به علي وعليهم من أمور الآخرة والدنيا. وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ان : أفضل الدعاء يوم عرفة وافضل ما قلته انا والنبيون من قبلي : لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير(رواه الترمذي وغيره) وعن علي رضي الله عنه قال : أكثر ما دعا به النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفه في الموقف: (اللهم لك الحمد كالذي نقول وخيرا مما نقول اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، واليك مآبي ولك ربي تراثي). اللهم اني أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الأمر. اللهم اني اعوذ بك من شر ما تجيء به الريح. وعلى الحاج ان يتذكر في هذا الموقف العظيم انه ضيف من ضيوف الرحمن، وانه خرج حاجاً لله عز وجل، ليتم هذا الركن من أركان الاسلام، وان أروع ما يفعله الحاج وخير ما يصنعه ان يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم، فيحج كما حج، ويطوف كما طاف، ويسعى كما سعى، ويقف في عرفات كما وقف، ويهبط الى المزدلفة والى منى وهو ملتزم بسنته الشريفة، يفعل ذلك اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه القدوة، ولأنه الاسوة، ولأنه المعلم، والمهذب والهادي الى صراط الله المستقيم، والحمد لله الذي أكرمنا بنعمة الاسلام وبعث الينا خير الأنام، وجعله صلى الله عليه وسلم الاسوة الحسنة في كل اقواله وأحواله وأفعاله وفي كل شأن من شئونه في توحيده وايمانه وفي صلاته وصيامه، وفي حجه واعتماره، وفي قنوته وقيامه، وفي جوده وسخائه، وفي جهاده وصبره وفي بيته وبين اهله وأصحابه، وفي حلمه وتواضعه وعفوه، وفي دعوته وتبليغه وفي سائر شئونه : (لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة). والحديث عن فريضة الحج لا ينفك عن حياته وهديه صلى الله عليه وسلم فعنه تلقت الأمة فرائض الله على عباده، ومن جملتها فريضة الحج ومنه تعلمت أحكامه ولهذا وجب التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه يمثل الاتباع الصادق للقرآن الكريم، وتجسيد العمل بآياته، وقد كان خلقه القرآن وكان الصورة العملية لتعاليم القرآن، والترجمة الدقيقة الأمينة لآياته، ولهذا فقد دعانا صلى الله عليه وسلم لأخذ القدوة عنه في أقواله وأفعاله وعبادته حين قال : (صلوا كما رأيتموني أصلي) وفي الحج : (خذوا عني مناسككم). وختاما فعلى الحجاج ان يعلموا ان قضية الحج مهمة وأمر عظيم، وركن من أركان الاسلام له آدابه وله اركانه وله واجباته، وله سننه، وهو بالجملة أمر يقف فيه الحاج بين يدي الله يسأله القبول والرحمة والرضوان وان يعود من حجه وقد فاز وعاد كيوم ولدته امه، ومن هنا فلابد ان يتحسب الحاج لكل ما يفعل وخير ما يفعله ان يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، والحج من أهم الأمور التي نقتدي ونتأسى فيها به صلى الله عليه وسلم، ونسير على هداه ما امكننا ذلك. وختاماً نسأل الله عز وجل القبول، وأن يجعل خير اعمارنا أواخرها، وخير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاه انه قريب مجيب.