*بقرار مجلس الوزراء المهندس" الوباري" للمرتبة الرابعة عشر مديراً لفرع وزارة التجارة بمنطقة تبوك*    أمير تبوك يثمن حصول مطار الأمير سلطان بن عبدالعزيز على جائزة أفضل مطار في تجربة المسافر بالشرق الأوسط    النفط يرتفع مع تعطل إمدادات الشرق الأوسط وسط الأزمة الإيرانية    الائتمان المصرفي يسجّل 3.3 تريليونات ريال بنهاية 2025    صحفيو مكة يحتفون بالإفطار الرمضاني من أعلى إطلالة بالعالم    وكالة الطاقة الذرية تؤكد عدم رصد أي تسرب إشعاعي من المنشآت الإيرانية    وزارة الحج والعمرة: بدء مرحلة حجز باقات حج 1447ه للحجاج من داخل السعودية    الاحتلال الإسرائيلي يغلق المسجد الأقصى لليوم الخامس على التوالي    الصين تحقق اختراقا في الاتصال بالليزر بين الأقمار الاصطناعية والأرض في المدار العالي    ضبط المخالفات المرتبطة بممارسة نشاط «الكدادة» .. الهيئة العامة للنقل ترصد 25 ألف مخالفة    أرامكو تقود ارتفاعات السوق    أكد تسخير الإمكانات للمحافظة على سلامة الجميع.. وزير الداخلية: توجيهات كريمة بتعزيز الأمن والاستقرار    السعودية.. صوت الحكمة والاتزان    شراكة إستراتيجية لتعزيز جهود صون النمر العربي    ثمن وقوف قادة الدول الشقيقة والصديقة ضد الاعتداءات.. مجلس الوزراء: السعودية ستتخذ الإجراءات اللازمة للذود عن أمنها وأراضيها    استهدفت قيادات في حزب الله.. إسرائيل تجدد غاراتها على ضاحية بيروت    جهاز أمن الدولة القطري يلقي القبض على خليتين تتبعان للحرس الثوري الإيراني    طائرة رونالدو غادرت إلى مدريد    السعودية الأقرب للاستضافة.. الآسيوي يتجه لإقامة ثمن نهائي النخبة من مباراة واحدة    ميلان يسعى للتعاقد مع نجم القادسية    مجلس الوزراء برئاسة ولي العهد: السعودية ستتخذ الإجراءات اللازمة للذود عن أمنها وأراضيها    تركية تقتل والدها بعد مناوشة كلامية    تعليق الدراسة الحضورية في مدارس تعليم الشرقية وعسير اليوم الأربعاء    حي جميل.. تجارب تراثية وأنشطة تفاعلية فنية وثقافية    الإعلام الرياضي بين رسالة الأمس وضجيج اليوم    خصومة أدبية بسبب كتاب مُهدى    إصدار وثيقة مبادئ حوكمة لتعزيز كفاءة الأوقاف    استشاري يحذر من «سكري الدماغ»    استضافة المسافرين العالقين يعكس نهج المملكة في أولوية سلامة الإنسان    مذكرة تفاهم لإنتاج منتجات عطرية مستوحاة من الطبيعة    الخيار الاستراتيجي    1100 كشاف يقدّمون خدماتهم للمعتمرين والزوار بالحرمين الشريفين ضمن منظومة مؤسسية متكاملة في رمضان    العطاء يصنع الحياة!    أمطار خير على الرياض والشرقية    أخضر التايكوندو يطوي صفحة الإعداد ويستعد لتحدي سلوفينيا وهولندا    مباريات حماسية في بطولة أكاديمية قمم الرياضية بخميس مشيط برعاية "الرأي"    نونيز على مفترق طرق داخل الهلال    "ليالي الدرعية" تقدم تجربة رمضانية ثرية    "الحداية" موروث يتغنى ل"القيم" ويصنع بهجة الاحتفال    حكايات الأمومة حين تصنع النجاح    مستقبل أربيلوا مع ريال مدريد في مهب الريح    نفحات رمضانية    وهل أتاك آخِر أنبائهم    الفتح يجدد لمدافعه الجري لثلاثة مواسم    بتوجيه وزير الشؤون الإسلامية… خطبة الجمعة عن شكر نعمة الأمن والتحذير من الشائعات    "الأرصاد" ينبه من أمطار على منطقة الرياض    الاستشراف فن الطرح العميق للأسئلة    5 أهداف إستراتيجية لتعزيز منظومة الأمن الغذائي    الذوق خلق الرقي وميزان الإنسانية    أدوات التقييم اللحظي لأداء الطلبة داخل الفصول    الأمير فواز بن سلطان يشهد فعاليات اليوم العالمي للدفاع المدني بالطائف    السعودية تعرب عن رفضها وإدانتها للهجوم الإيراني الذي استهدف مبنى السفارة الأمريكية في الرياض    رابطة العالم الإسلامي تُعزِّي الكويت إثر استشهاد اثنين من منسوبي الجيش    جراحة نادرة بالعمود الفقري تُعيد القدرة على المشي ل«سبعينية» بمستشفى الدكتور سليمان الحبيب بالريان    مقترحات قابلة للتنفيذ    «طبية» جامعة الملك سعود: شرب الماء والمشي يعززان صحة القلب    أبرز الإخفاقات الطبية «2»    وزارة الداخلية: الأوضاع الأمنية في السعودية مطمئنة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



محمد كُرد علي بين ديموقراطية «الأحمدين» وأرستقراطيتهما
نشر في الحياة يوم 14 - 03 - 2015

«ما بينهما وشيجة من التنافس المحبوب المرغوب؛ من أجل نفائس المخطوطات» كما يرى المحقق عصام الشنطي. كلاهما كان حُجَّةً في ميدان التراث والمخطوطات، وكلاهما كانت له ندوة عامرة يرتادها أهل الفكر والأدب في مصر. فندوة أحمد زكي باشا (شيخ العروبة) كان لها طابعها الخاص، في دار العروبة في الجيزة. وهناك ندوة (شيخ المُحقِّقين) أحمد تيمور باشا في دارته في الزمالك. وبين الرجلين فوارق كبيرة في الطبع والسلوك والعمل؛ فزكي باشا رجل يحب الشهرة والدَّوي، ويُرسل آراءه كالقنابل على صفحات الجرائد، فيثير المعارك -كما يقول أنور الجندي في كتابه «الشرق في فجر اليقظة»-، وهو قليل الصبر على الاعتكاف في مكتبته للبحث والمثابرة.
أمّا أحمد تيمور باشا، فعلى العكس، يقرأ في صمتٍ، ويُعَلِّق على هوامش المؤلفات، وهو لا يتصل كثيراً بالمجتمع، ويُفَضِّل العزلة من أجل نشدان المعرفة.
وفي مجلة «المقتبس»، رسم محمد كرد علي صورة قلمية للرجلين، فقال: «إنهما الأحمدان المصريان المعاصران، كان الأحمدان من أعز أصحابي، قضيتُ معهما منذ سنة 1901 إلى أنْ اختارهما مولاهما إلى جواره، أياماً ولياليَ؛ فتمازَجتْ أرواحنا تمازج الإخوان، وتصافينا تصافي الود. تيمور كان من عادته أن يتبسط في الحديث مع خاصته تبسطاً لا يخرجه عن حدود الأدب والدعابة البريئة، والنكات، ثم ينقلب إلى البحث في الكتب، مطبوعِها ومخطوطها، يخوض في كل ذلك من الجد بذوقٍ وشوقٍ، وتقديرٍ وإنصافٍ، ويهتم كثيراً بأمر المسلمين والعرب والعربية».
وعندما سكن الإمام محمد عبده في حي عين شمس، اتخذ أحمد تيمور داراً إلى جواره مدَّةً؛ فنقل إليها خزانة كتبه، لكن عندما انتقل الإمام محمد عبده إلى جِوار ربه، أسودت الدنيا في عينيه، فانتقل تيمور إلى جهة أخرى، وبادر بنقل خزانة كتبه إلى إحدى مزارعه في مدينة قويسنا في المنوفية. وبعد فترة، ابتنى تيمور دارةً جديدةً في الزمالك، فنقل إليها مخطوطاته النفيسة. ويذكر كرد علي أن تيموراً «كان يتصدَّق في السر؛ بأن يجري مشاهرات على من قعد بهم الدهر عن الاكتساب، ويفضل على بيوت كثيرة من المحاويج، ويُدِرُّ عليهم رواتب مقرَّرة، تأتيهم في بيوتهم رأس كل شهر، ويأبى عليه شرفه ودينه ومكارمه إذاعة ما تجود به نفسه؛ لذلك أخذ العهود على من كان يعطيهم ما يُقَوِّم أَوَدَهم، أن لا يذكروا أنهم يُرزقون منه، ولما باح أحدهم بالسر؛ لضغطٍ شديدٍ وقع عليه، شقَّ ذلك عليه؛ فقطع المُشاهرات والإدرارات، مُتظاهِراً بالضائقة».
ويضيف كرد علي قائلاً عن كرم تيمور باشا: «وعاد بعد مدةٍ، يرسل بواسطة المصرف حوالاتٍ ماليةً بأسمائهم، وهم لا يعرفون مصدرها، بل إن المصرف نفسه لا يعرف حقيقة اسم المُرسل؛ ولذلك صحَّ لنا أن نقول: إنه كان لا يُنفِق ماله على غير العلم وعمل الخير، وكان يُعالج في كتمانٍ صدقاته، حتى لا تدري شِماله ما فعلتْ يمينه! وكانت أطيانه تزيد، وريعها ينمو، ونِعمته تفشو مع هذا البذل الكثير! وعندي من رسائله أكثر من مئةٍ وأربعين رسالةً، هي في خِزانتي أجملُ ذُخرٍ وذِكرى».
واستغرق تيمور في التعليق على مخطوطاته جانباً عظيماً من وقته، وكان غرامه بالكُتُب يتقاضاه صرفَ الساعات الطويلة أيضاً؛ وإذا علمنا ذلك؛ لأكبرنا ما أتى به، خصوصاً إذا علمنا أنه كان يتولى كل أمرٍ بنفسه، حتى كتابة الفهارس.
ويقول كُرد علي عن أحمد زكي باشا إنه «كان يتجوَّز في ما لا يتجوَّز فيه أربابُ التقوى، فكأنه تخلَّق بأخلاق مَن عاصرهم وعاشرهم، وما رأى حرجاً في ذلك، ويضطره العبث واللعب إلى الإسراف؛ ولذلك أنفق كل ما دخل يده من مال قرينته أولاً، ثمَّ من مال شقيقه، غير حاسب للأيام حساباً، وربما أفرط في ذلك، ولعل إفراطه كونه لم يعقب ولداً، وكانت له أشياء يستخرجها في مخطوطاته، أو من جزازاته ومُفكراته، ويُتحِفُ بها العالم العربي الحين من بعد الآخر، يقصد بها التعليم والإدهاش».
وطريقة زكي باشا في كتبه وترجمته ونشْره أقرب إلى أن تكون غربية منها إلى أن تكون عربية. والعربية في آثار تيمور باشا محسوسة أكثر من الإفرنجية. والإفرنجية في كتابات زكي شائعة أكثر من العربية، والروح الدينية تتجلى في تيمور، والروح المدنية غالبة على زكي؛ فكأن هذا مستشرق شرقي، وذاك شرقي قبل كل شئ، شرقي بتقاليده وهدايته، وتربيته وثقافته. ولقد جال تيمور في دائرة ما أحب أن يخرج عنها طول عمره، وكذلك كان زكي، إلا أن الدواعي والبواعث كانت تضطر هذا إلى تجاوز الحد الذي رسمه لنفسه، فلقد خاض زكي في المجتمع، وتغلغل في تضاعيفه، فقَبِله بما فيه من حسنات وسيئات أكثر من صنوه تيمور. وهنا تظهر أرستقراطية تيمور باشا، وديموقراطية زكي باشا؛ فقد كانت حياة زكي مرحة يتمتع بمباهجها ومناعمها على ما يشتهي، وكان يتعجل النعيم لا يُرجئه، وكانت حياة تيمور عابسة، فيها شيء من الانقباض، كما يقول كُرد علي.
وكلاهما كان صادقاً في مشربه، صادقاً في سيرته، غير مُدَلِّسٍ، ولا مُوالِس، ولا مُتزمت، ولا مُتخافت، وعدد من أخذ عنهم تيمور من الشيوخ كان أكثر من عدد مَن أخذ عنهم زكي، وكانوا في ذاتهم أشد تديُّناً وغيرة على الدين؛ فجاء تيمور عالماً إسلامياً قبل كل شيء، يحب الانتفاع بما أنتج أهل الغرب، وجاء زكي عالماً شرقياً، يُشبه علماء الغربيين إلى حد بعيد.
ووصف خير الدين الزركلي تيمور باشا في مذكراته، لا سيما أنه كان من رواد صالونه الشهير، فقال: «إنه وقور، طويل الصمت، فيه تواضُع ولِين... وما زلتُ أذكر إلق اءه بين يدَيَّ مذكراته يوم بدا لي أن أبحث عن تراجمَ المتأخرين، وقد عاصر بعضهم، وبادلهم الترجمة؛ فكانت لي منها فوائد كثيرة، وفي البعداء عن مصر من يعرف فضل تيمور أكثر مما يعرف أهلها».
كما وصف الدكتور مجاهد الجندي - مؤرخ الأزهر الشريف - الفارق بين تيمور باشا وزكي باشا؛ فقال: كلاهما كان وطنياً، محباً للعروبة، مدافعاً عن الإسلام وحضارته، لكن تيمور باشا كان أقرب إلى أهل الزهد والتصوف؛ فهو لا يجد نفسه في مزارعه، وأمواله؛ ولكنه يجد نفسه بين أضابير المخطوطات، ومساعدة أهل الحاجات والمعوزين. أما زكي باشا؛ فكان أقرب إلى سمت الأثرياء، الذين يتنعمون في الخيرات، ولا يكاد يجد نفسه إلا في النعيم.
كما وصف الأب أنستانس الكرملي صديقه أحمد باشا تيمور في رسائله إليه؛ فقال عنه: «كانت أخلاقه من طراز السابقين؛ في النبل، والمروءة، والنجدة، والشهامة، وعون الملهوف، ونصرة المظلوم، وإكرام الضيف، كما كان آية باهرة على الموسوعية في العلم، والتبحُّر في التراث العربي الإسلامي؛ بمصادره المختلفة؛ فلقد استضافني في ضَيعته العامرة على ضفاف نيل القاهرة العامر؛ فهالتني شمائله الرفيعة، وكرمه الذي لم يُعرف من قبل ولا من بعد، وهالتني خِزانة كُتُبه، ومخطوطاته النفيسة، التي اقتناها من الشرق والغرب، وتعليقاته العجيبة الفريدة عليها، وعلمه الواسع بالقديم والجديد».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.