فيما تستأثر المواقف الجديدة التي اعلنها وليد جنبلاط، زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي، بالاهتمام الواسع من زاوية اثرها في توزيع الحصص الوزارية في الحكومة اللبنانية المرتقبة، فإن هذا الجانب هو الأقل اهمية لدى فريق واسع من اللبنانيين يتطلع الى الاصلاح السياسي البعيد المدى وليس الى مجرد معالجة الازمة السياسية الراهنة. وقد بدا وليد جنبلاط وكأنه في احاديثه الاخيرة يخاطب هذا الفريق الذي ضاع في حمأة الصراعات الفئوية والطائفية والمذهبية التي اجتاحت سائر ميادين وحقول العمل العام في لبنان. ولئن صح هذا التفسير لمواقف زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي الاخيرة، فإن من المأمول ان يكون من نتائجه إدراج التراجع عن قرار الغاء خدمة العلم في مقدم اولويات الحكومة الجديدة وبيانها الوزاري. يكفي ان يلفت التقدميون الاشتراكيون في مجلس النواب النظر الى التصريحات الاسرائيلية الاخيرة التي تحمّل الحكومة اللبنانية مسؤولية التوتر القائم على الحدود حتى يؤكدوا اهمية مثل هذا الموقف. لقد كان مشروع خدمة العلم مطلباً دائماً للاصلاحيين اللبنانيين، وبعد ان تمت الاستجابة الى هذا المطلب القديم والمحق، اعيد النظر فيه عام 2005 وألغي بالكامل عام 2007. وعلى رغم اهمية المشروع، فإن اللبنانيين لم يسمعوا الا القليل عن الاسباب الموجبة لهذا الالغاء. صحيح انه أجريت مناقشات متفرقة ونيابية لموضوع خدمة العلم ولكنها كانت سريعة ومبتسرة، ولم تعكس اهمية مسألة خدمة العلم ولم تفسح في المجال امام الرأي العام للاطلاع الكافي على حيثيات الإلغاء ومبرراته التي تلخصت في التعليلات الرئيسة الآتية: - ان خدمة العلم كانت مكلفة مادياً بحيث بات من الضروري اعفاء دافع الضريبة اللبناني من اعبائها وأثقالها. - ان خدمة العلم لم تطبق على النحو المطلوب ولم تحقق فوائدها المرتجاة، بخاصة على صعيد تعزيز القوات المسلحة اللبنانية. - ان خدمة العلم أدت الى انقطاع الشباب اللبنانيين عن الدراسة طيلة فترة خدمة العلم. - ان خدمة العلم ساهمت في تحفيز الكثيرين من اولئك الشباب على الهجرة لأنها حرمتهم من فرص العمل. تقدم هذه التبريرات دليلاً ملموساً على انتفاء الاسباب الموجبة للقرار، فالكلفة المالية لتطبيق خدمة العلم لم تكن لتزيد عن عشرين مليار ليرة لبنانية، وهو مبلغ لا يتجاوز 3 في المئة من مجمل موازنة الدفاع لعام 2005. والتطبيق الخاطئ لخدمة العلم لا يبرر الغاءها وإنما يحفز على تطبيقها على نحو سليم وتصحيح كل الأخطاء والثغرات القانونية والبنيوية في الطريقة التي وضعت فيها موضع التطبيق. فليس من حق احد من اللبنانيين، مثلاً، ان يطلب الغاء مجلس النواب اللبناني لانه لا يقوم بواجبه كاملاً. اما هجرة الشباب فقد زادت بعد الغاء خدمة العلم ولم تنخفض، واما اضطرار الشباب اللبناني الى الانقطاع عن الدراسة طيلة قيامهم بخدمة العلم، فهو مسألة تطرح، كما تطرح سائر التبريرات الهشة السابقة عما اذا كان من المستطاع تحقيق اي هدف وطني وانساني من دون تقديم تضحيات محدودة. تلجأ بعض الدول والمجتمعات الى تطبيق خدمة العلم بهدف تحقيق ثلاثة اهداف رئيسة: الهدف الاول، هو تعزيز قدراتها العسكرية. وهذا ما تلجأ اليه عادة الدول الصغيرة التي تواجه تحدياً عسكرياً كبيراً. من هذه الدول التي لجأت الى هذه الطريقة: سويسرا والسويد وسنغافورة. خدمة العلم اتاحت لهذه الدول تحويل الشعب بأكمله الى احتياطي مدرب ومهيأ لمساندة القوات النظامية ضد اي مساس بأمن الوطن وتعدّ على حريته وانتهاك لحقوقه. بفضل خدمة العلم ونظام «المليشيا الشعبية» تمكنت سويسرا، خلال الستينات من القرن الماضي من رفع تعداد قواتها الى ما يقارب العشرة في المئة من عدد سكانها. وبواسطة استراتيجية «الدفاع الشامل» التي تطبقها سنغافورة استطاعت هي الاخرى ان ترفع عديد قواتها النظامية والاحتياطية الى ما يقارب نسبة العشرة في المئة من تعداد السكان الذين لا يزيد عددهم عن عدد سكان لبنان. وبفضل خدمة العلم تتمتع القوات السويسرية بدرجة عالية من الكفاءة القتالية وهي مجهزة لخوض القتال ليس فقط على ارضها بل حتى في المناطق البعيدة منها. وفي هذا السياق أرسلت سنغافورة قوة مكونة من المشاة وسلاحي الجو والبحرية من اجل حماية خطوط المواصلات التي تمر بأراضيها من اعمال القرصنة الدولية. الهدف الثاني، هو تنمية الروح الوطنية في المجتمعات التعددية، اي التي تتكون من مزيج من الفئات الإثنية والدينية والمذهبية المتنوعة. هذا ما فعلته ايضاً الدول الثلاث فضلاً عن ماليزيا وأعداد متزايدة من الدول في العالم. هذا ما فعله لبنان ايضاً عندما اتخذ القرار الحكيم والصائب بتطبيق خدمة العلم، وما تراجع عنه المسؤولون اللبنانيون عندما ألغوا هذا القرار. لقد بينت دراسة جامعية وضعها المقدم اللبناني محمد رمال ونال بموجبها شهادة الدكتوراه من جامعة القديس يوسف بتقدير جيد جداً، بينت المزايا الكبرى لتطبيق خدمة العلم بخاصة لجهة تنمية الروح الوطنية بين الشبان اللبنانيين. وقد جاء في الدراسة ان نسبة الولاء للوطن والاستعداد للدفاع عن ارضه ارتفعت عند المجندين من 47.5 في المئة الى 71.9 في المئة بعدما مروا بخدمة العلم. كذلك قدمت الدراسة احصاءات اخرى حول الأثر الايجابي لخدمة العلم على المجندين. فخلال بداية مدة التجنيد كانت نسبة المجندين الذين اقاموا علاقات بأقرانهم من ابناء المناطق والطوائف الاخرى لا تتجاوز 24 في المئة من مجموع المجندين المبحوثين، وفي نهاية المدة المقررة لخدمة العلم ارتفعت لدى المجندين المبحوثين الى نسبة 92.7 في المئة. كذلك ساهمت خدمة العلم في تبديل نظرة المجندين المبحوثين الى مسألة الانتماء الطائفي، ففي حين انهم كانوا يضعون هذا الانتماء في مقدم العوامل التي تحدد نظرتهم الى القضايا العامة والى العلاقات مع الآخرين، فإنه تراجع في نهاية الخدمة الى 4.1 في المئة واحتل الانتماء الوطني الدرجة الاولى على هذا الصعيد اذ بلغ 69 في المئة. الهدف الثالث، هو المساهمة في مواجهة الكوارث الطبيعية وتنفيذ مشاريع تعود على الوطن وعلى شعبه بالتقدم. ولبنان في أمسّ الحاجة الى رديف للقوى النظامية في معالجة هذه الكوارث والتحديات. فلا ريب انه لو كان للبنان مثل هذه القوة لكان اكثر قدرة على مكافحة الحرائق التي تلتهم جزءاً غير يسير من أحراجه. ان هذه المزايا والفوائد الكبرى التي تحققها خدمة العلم تسلط المزيد من الاضواء على سقم التعليلات التي قدمت تبريراً لالغائه. فلو سمع واحد من المسؤولين في سنغافورة ان اللبنانيين ألغوا خدمة العلم من باب الحرص على العلم والدراسة، لكان من الأرجح ان يجدوا هذا الامر مثيراً للسخرية، اذ ان خدمة العلم التي تستمر لمدة سنتين في سنغافورة لم تمنع السنغافوريين من ان يصبحوا في مقدم شعوب العالم من حيث الكفاءة العلمية وإحراز المعرفة. ولو سمع مسؤول من مسؤولي سويسرا التي انقذها بأسها العسكري وتطبيق خدمة العلم من قبضة هتلر والنازيين، لو سمع ان اللبنانيين ألغوا خدمة العلم لكي يوفروا على الخزينة كلفتها لتصور ان لبنان يدفع نصف موازنته على خدمة العلم. لو اتيح للبنانيين ان يتابعوا عن كثب خلفيات او دوافع القرار الجائر بإلغاء خدمة العلم، ولو تمعنوا في هذا القرار وفكروا في نتائجه وتبعاته لما سمحوا للمسؤولين بتمرير هذا القرار الجائر بحق الوطن. لقد تم اعدام قانون خدمة العمل من وراء ظهر اللبنانيين، وفي عتمة انشغالهم بالصراع الطائفي البائس. فلتكن اعادة خدمة العلم مؤشراً الى عودة الرشد السياسي الى الحقل العام ودليلاً على يقظة الاصلاحيين اللبنانيين ونهوضهم من سباتهم الطويل. * كاتب لبناني.