موقف رونالدو من تعاقد النصر مع محمد صلاح    بجدارة واستحقاق.. أبها يعود إلى دوري روشن السعودي    موعد مباراة الأهلي وماتشيدا في نهائي دوري أبطال آسيا للنخبة والقناة الناقلة    «البلديات والإسكان»: مهلة تصحيحية للامتثال قبل تطبيق الجزاءات البلدية    صدور موافقة خادم الحرمين على إقامة مسابقة القرآن الكريم والسنة النبوية الثانية لدول قارة أفريقيا بجمهورية السنغال        نائب أمير تبوك يواسي أسرة السحلي في وفاة فقيدهم    موسكو تهدد برلين بورقة نفط كازاخستان    تقنية لتصريف السيول في بريدة    %160 ارتفاع معدلات الأمطار في النصف الأول من أبريل    تعليم الطائف يعزّز كفاءة القيادات المدرسية ببرنامج تدريبي وزيارات افتراضية    ولي العهد يلتقي رئيس سوريا    استقبال طلائع الحجاج بمكة وخدمة جديدة للمعتمرين    القبض على سوداني وإثيوبي في جدة لترويجهما "الحشيش"    أمير القصيم يستقبل محافظ و رئيس وأعضاء لجنة أهالي الرس    ترامب: لا أريد تمديد وقف إطلاق النار مع إيران    مجلس الوزراء: تعديل بداية السنة المالية للدولة وتنظيم لمركز الإيرادات غير النفطية    "خيسوس": نحترم الأهلي لكن هدفنا واضح وهو الوصول إلى النهائي    شراكة تدريبية بين يد ترعاك لتطوير المهارات ومركز رفيل للتدريب    الكذب سرطان الفرد والمجتمع    رئيس الجمهورية العربية السورية يصل جدة    نائب الرئيس التنفيذي لحلول الأتمتة في بيلدن: نحن لا نبيع حلول اتصال فقط بل نبني الأساس الذي تقوم عليه الصناعات الذكية    لامين يامال يتوج بجائزة لوريوس لأفضل رياضي شاب    رئيس الوزراء الفلسطيني يطالب بتدخل دولي للإفراج عن الأموال المحتجزة    رئاسة الشؤون الدينية تستقبل طلائع الحجاج في رحاب الحرمين الشريفين    مُحافظ الطائف يكرّم الفائزين في معرض جنيف الدولي للاختراعات    إم جي جياد الحديثة تعزز تبني مركبات الطاقة الجديدة في السعودية عبر اعتماد سيارات الأجرة من نوع MG 8 PHEV    استشهاد أربعة فلسطينيين في قطاع غزة    أمير المدينة يدشّن متحف «خير الخلق -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-»    تراجع أسعار الذهب    جمعية الثقافة والفنون بأبها تحتفي باليوم العالمي للتراث 2026م    رحيل الفنانة حياة الفهد إثر أزمة صحية    380.1 مليار استثمارات الأجانب    أمير القصيم يرعى حفل تخريج الدفعة السابعة عشرة من طلبة جامعة المستقبل    أمير الرياض يرعى حفل تخرج طلاب الجامعة السعودية الإلكترونية    عاطل يقتل مسناً ويعيش مع جثته المتحللة    تخطط لاستهداف الأمن والوحدة الوطنية.. الإمارات تفكك خلية إرهابية مرتبطة بالخارج    رئيس مجلس السيادة الانتقالي في جمهورية السودان يصل إلى جدة    6 % ارتفاع إيرادات الأعمال    الموارد تضبط 14 مكتب استقدام مخالفاً    كيف رسم «تيفو» الأهلي «سيناريو» العودة أمام فيسيل؟    سعود بن نايف: القيادة تدعم القطاع غير الربحي    واحات مكة    العلوم الإنسانية ليست ترفًا.. في مواجهة إلغاء التخصصات الأدبية    وفاة    في إياب نصف نهائي كأس إيطاليا.. إنتر يطارد الثنائية.. وكومو يأمل بتحقيق المفاجأة    تحذيرات ميدانية تهدد الهدنة.. مفاوضات لبنانية – إسرائيلية مرتقبة في واشنطن    مساعدات سعودية غذائية وطبيبة في أفغانستان والكاميرون    «إسلامية القصيم».. 1848 منشطًا دعوياً خلال شهر    أكد التعويل على المجتمع الدولي لوقف الهجمات.. البديوي: دول التعاون تحتفظ بحقها في الدفاع عن النفس    طفلتان حديثتا ولادة تغادران العناية المركزة بمستشفى الدكتور سليمان الحبيب بالخرج بعد «90» يوماً من الرعاية المكثفة    أبرز الإخفاقات الطبية (6)    «إسفنجة المطبخ» .. مصدر تلوث خفي    الضغط الصحي    آل الشيخ يوجّه خطباء الجوامع بتخصيص خطبة الجمعة القادمة للحديث عن مكانة المساجد والتحذير من أذى المصلين فيها    نائب أمير نجران يلتقي قائد حرس الحدود بالمنطقة    حائل تودع أم الأيتام.. قوت القعيط    أمير منطقة جازان يستقبل القنصل العام لجمهورية غانا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



القصيدة بخجلها الأمومي
نشر في الحياة يوم 21 - 03 - 2012

لم أعثر، وأنا أطالع الكتب الشعريّة الحديثة، إلاّ على قصائد قليلة تدور حول الأمّ، ولم يكتب الشعراء فيها عن أمّهاتهم بقدر ما كتبوا عن الأمومة، أيْ أنهم لم يحتفوا بدلالات الأمّ الوجدانية/الذاتية بقدر ما احتفوا بدلالاتها الأخلاقية/الجماعية. وثمّة من الشعراء من خلع على صورة الأمّ طابعاً رمزياً، فحوَّلها إلى"مجازٍ"، أو"صورة بلاغيّة"تُمكِّنُ الشاعرَ من"الكلام بشيء وهو يريد غيره"، على حدّ تعبير البلاغيّين القدامى.
فشاعر كبير مثل أدونيس، لم يلتفت في كل قصائده إلى أمّه، وقد تأوّل ذلك بافتتانه بأبيه، على رغم نشره أخيراً في"الحياة"نصاً نثرياً عن أمه بعنوان"أم علي"، فأثرُهُ فيه كان أقوى من أثر أمّه، فهو الضوء وهي الظل، وربما أنشأ موته المفاجئ بينهما علاقة جديدة قوامها"التذكّر". أدونيس أصبح، على حد قوله، يستعيد حياته في ظلّ أبيه، يستلذّ الرجوع إلى صور طفولته الأولى، وهذا ما جعل"الأب"عميق الحضور في شعره. لكن هذا الحضور، يقول أدونيس"جاء على نحو معقّد يمكن اختصاره في هذه الصيغة:"إنه ضد الأبوة مع الأب". وتشير خالدة سعيد إلى أن تواتر رموز النار في شعر أدونيس لا تستمد دلالاتها العميقة من الأساطير بقدر ما تستمدها من بيئة الشاعر وحياته النفسية،" فقد نشأ أدونيس في بيئة دينية، وتعلم منذ أن تجاوز الطفولة أشعار المتصوفين... يضاف إلى هذا موت والده احتراقاً بحادث مفجع. وقد أحب أدونيس والده ميتاً، وقدّسه في موته أكثر منه في حياته". أما الأمّ، فقد كانت بالنسبة إليه مثل"الطبيعة"، ارتبط بها لا بالولادة وحدها، بل بالهواء والفضاء. يقول أدونيس:"إنها هي نفسها طبيعة"، خصوصا أنها لا تقرأ ولا تكتب، فهي"مظهر ناطق من الطبيعة، شجرة من نوع آخر، أو نبع يتكلّم"... لقد كانت في نظره جزءاً من الطبيعة لا من الثقافة.
شاعران اثنان شذّا عن بقية الشعراء وجعلا من الأمّ إيقاعاً متواتراً في قصائدهما: هما محمود درويش ونزار قباني.
الشاعر محمود درويش لم يتحدث عن أبيه"سليم"إلا لماماً... هذا الأب الذي تحوّل بعد النكبة إلى"عامل زراعي"محبط، بينما تَبَسّط الشاعر في الحديث عن جده الذي طرد من حقله واختار أن يسكن قريباً منه ينظر إليه صباح مساء، هكذا استقر"فوق تلة يطلّ منها على أرضه... وإلى أن توفي... ظل يراقب المهاجرين من اليمين يعيشون في أرضه التي لم يكن قادراً على زيارتها".
لكن تظل صورة"حوريّة"أمّ الشاعر أهم من سكن فضاء قصائده تشعّ بحضورها الجميل على الصور والرموز والأقنعة. ومن أشهر القصائد التي حضرت فيها الأمّ قصيدة"أحنّ إلى خبز أمي وقهوة أمي"، وكأن درويش يستعيد، على نحو خفي بيت المتنبي في رثاء جدته:
أحِنُّ إلى الكأسِ التي شربَتْ بها وأهوى لمثواها الترابَ وما ضمَّا
يعلن الدرويش في هذه القصيدة أنه يخاف الموت لأنه يخجل من دمعة أمه. وأستطردُ قائلاً: إن هذه القصيدة بدت لأدونيس من قبيل البكاء الشعري الذي يضحكه.
بيد أن أهم القصائد التي دارت على الأمّ في مدوّنة درويش هي قصيدة"تعاليم حوريّة"، هذه الأمّ التي ظلت تعدّ أصابع الشاعر العشر وترفو جوربه المقطوع وتزجي إليه الوصايا تلو الوصايا:
تزوجْ أيةَ امرأةٍ من الغرباءِ
أجملَ من بناتِ الحيِّ
لكنْ لا تُصدِقْ أيةَ امرأةٍ سِوايْ
ومن أجمل الوصايا التي قدمتها الأمّ لابنها:
انطلقْ كالمهْرِ في الدنيا..
وارجع إذا اتسعَتْ بلادُك للبلادْ
ويظلّ نزار قباني أكثر الشعراء تمجيداً للأمّ في قصائده، ففي مذكراته أسهب في الحديث عن هذه المرأة التي كانت تخصه دون سائر إخوته بالطيّبات"وظلت ترضعه حتى سن السابعة وتطعمه بيدها حتى الثالثة عشرة"وتواترت صورة الأمّ في الكثير من مجاميعه رمزاً لطفولة لم يستطع الانفصال عنها. ففي إحدى قصائده يقول:
أنا شاعرٌ لا يزالُ على شفتيهِ
حليب الطفولهْ
لهذا ظل يحنّ إلى تلك المرحلة البعيدة، مرحلة الطفولة، بل ظل يحنّ إلى ما قبل تلك المرحلة حين كان جنينا في بطن أمّه:
عندما يأتي أيلولْ
أشعرُ برغبةٍ قويةٍ
للعودة جنيناً إلى رحِمِ أمومتِكِ.
هل ولد نزار قباني؟ كلا، إنه مازال متشبّثاً برحم أمّه لا يريد النزول إلى الأرض:
كيف أقول إنني وُلدتُ
ولم أزل في بطنِ أمّي جالساً
كفرخةٍ مذبوحةٍ
منتظِراً أنْ يأخذوا أمّي
إلى طاولةِ الوِلادةِ
فليسَ غريباً بعد هذا أن يصرخ نزار قباني صراخ طفل قطعوا حبلَ المشيمة عنه:
يا أمّي يا حبيبتي يا فائزة
قُولي للملائكةِ الذين كلّفْتِهِم بحراستي
خمسين عاماً أن لا يتركوني
لأنني أخاف أن أنام وحدي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.