أمير القصيم يدشن جائزة فيصل بن مشعل للتوطين    "التحالف الإسلامي" يستقبل وفدًا من رئاسة أركان قوات السلطان المسلحة بعُمان    بتوجيه من القيادة.. سمو وزير الدفاع يلتقي سمو أمير دولة قطر    رحيل النحلة وقدوم النصيري    سلمان للإغاثة يوزع 866 قسيمة شرائية في محافظات اللاذقية ودرعا وإدلب بسوريا    أمير الشرقية يستقبل وزير التعليم ويدشّن ويضع حجر الأساس ل321 مشروعًا تعليميًا    أمين منطقة تبوك يطلق أعمال فريق منظومة الطوارئ والأزمات التطوعي    مهرجان "فنجان الخير" في نسخته العاشرة يجمع ثقافات العالم لدعم تمكين الأجيال بجدة    كيف نوازن بين السبق الصحفي وأخلاقيات المهنة.. جلسة حوارية ضمن فعاليات المنتدى السعودي للإعلام    محافظ الأحساء يطلق مهرجان "ليالي القيصرية 2026"    جامعة الملك سعود تنظم ملتقى الأوقاف والتعليم    20 ساعة تعليم طبي و25 جلسة علمية في ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026    صندوق تنمية الموارد البشرية: توظيف 562 ألف مواطن ومواطنة في 2025    وزير الطاقة: تحالف أوبك+ يسعى للمحافظة على استقرار مستدام في أسواق النفط    الحُمدي يشكر القيادة بمناسبة ترقيته للمرتبة الرابعة عشرة بالرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء    السعودية وتركيا تؤكدان تعميق الشراكة الاستراتيجية وتوسيع التعاون الاقتصادي    11 فبراير: إطلاق النسخة ال 35 من معرض ريستاتكس الرياض العقاري 2026    دور الإعلام في الاقتصاد وتحليل البيانات.. جلسة حوارية في المنتدى السعودي للإعلام    أمير الرياض يعزي في وفاة محمد بن خالد السديري    قسم الإعلام في جامعة الملك سعود يطلق مشاركته في المنتدى السعودي للإعلام 2026    نادي ثقات الثقافي والشريك الأدبي يقدمون أمسية "رمزيات الأدب العربي في الخيل"    استقرار مؤشر الدولار والين ينخفض قليلًا    «إسرائيل» سمحت بسفر خمسة مرضى فقط من أصل 50 عبر معبر رفح    تعزيز تجربة زائرات المسجد الحرام    شراكة تنموية ودعوية بين «قرة» وجمعية الدعوة بشقراء    يوم عمل أمير القصيم في مركز قبة    أكد الاستجابة لدعوات السلام.. البرهان: الجيش السوداني يفك حصار كادوقلي ويتقدم نحو دارفور    لتهدئة التوتر وتجنب اندلاع صراع إقليمي.. 6 دول في مفاوضات إسطنبول بين واشنطن وطهران    المعلم المميز    أفعى تقتل أشهر مطربة في نيجيريا    «الشورى» يناقش تطوير الجامعات    أكدت على حصر السلاح.. حكومة لبنان تدعو حزب الله للتعقل    «الصناعة» تستقبل الأفكار الابتكارية    اللواء الركن ساهر الحربي يرأس الاجتماع السنوي الخامس لقيادات القوات الخاصة للأمن البيئي بمنطقة حائل    القادسية يعبر الخليج في ديربي الشرقية    من عوائق القراءة (2)    طرد الأحلام!    إلينا سعود بطلة فيلم«عطايا القهر»    سفراء يناقشون دور الإعلام في صناعة دبلوماسية التأثير    تحديد هوية المتهم ب«رمي قشرة موز» على فينيسيوس    كريستيانو رونالدو يعود لتدريبات النصر    تحت رعاية الأمير عبدالعزيز بن سعود.. مدير الأمن العام يشهد تخريج الدورة التأهيلية للفرد الأساسي للمجندات الدفعة ال (8) بمعهد التدريب النسوي    ضبط قاطعي الأشجار بمنطقة تبوك    مختص: سماعات البلوتوث لا تسبب أمراض القلب    بنزيما.. قنبلة الميركاتو الشتوي    علامات الفاسد إداريًا والقضية 11    الرئيس الأميركي يعلن قرب الاتفاق مع كوبا.. وخفض رسوم واردات الهند    أنماط مستخدمي الذكاء الاصطناعي    البصيلي مفوضًا للإفتاء بمنطقتي عسير وجازان    لوكمان: فخور بالانتقال إلى أتلتيكو مدريد وأسعى لصنع الفارق    «المتحف الوطني».. سردية الإنسان من الحجر إلى الدولة    دراسة: 40% من حالات السرطان في العالم كان يمكن الوقاية منها    نائب أمير جازان يعزي شيخ شمل السادة الخلاوية وتوابعها في وفاة والده    مجلس الوزراء يوافق على السياسة الوطنية للغة العربية    مستشفى الملك خالد بالخرج يقدّم أكثر من 2.7 مليون خدمة صحية    المملكة تعزي شعب الكونغو جراء انهيار منجم    فيتامين B1 ينظم حركة الأمعاء    نائب أمير نجران يلتقي قائد حرس الحدود المعيَّن حديثًا بالمنطقة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جدلية الاستبداد بين السلطة والثورة
نشر في الحياة يوم 03 - 10 - 2012

ثمة جدلٌ يُطرح عقب كل ثورة، خصوصاً تلك التي يطول أمدها، حول ماهية ممارساتها وأفعالها الميدانية، وعادةً ما تبدو هذه الممارسات جليّة أكثر من ممارسات السلطة خصوصاً في وسطٍ اكتنفته ظلال الديكتاتوريات لعقود طويلة يكون فيها الفرد قد اعتاد مع المجتمع على استبداد السلطة، فيما يمكن له وهو الذي عاش عمره كلّه أو جلّه في وضع اجتماعي سياسي خامل أن يصطاد كل خطأ في ممارسات أي تحول جديد، وهو جدل نابع أساساً من الفلسفة التي يطرحها التغيير في المجتمعات الساكنة للسلطة الشمولية، بل وحتى في أوساط النخب المتحررة من استبداد السلطة يستطيع هذا الجدل أن يجد لنفسه في صالونات النقاش مكاناً، خصوصاً التي تنظر إلى الموضوع عادة من منظور التجربة التاريخية السطحية، إذ أن معظم الديكتاتوريات، خصوصاً العربية، نشأت من خلفيات"ثورية"، وبالتالي فإن استبداد الثورة في نظر البعض واقع، وربما يكون في نظرهم الأساس في تطور المجتمعات الثورية التي تنقل نفسها من استبداد مقبول في مرحلة الثورة إلى استبداد مفروض في مرحلة الدولة.
لكن الحديث اليوم ليس عن الثورة التي أنتجت سلطة، وإنما الثورة التي لا تزال في حيز الممارسة الثورية على الأرض، فجدلية استبداد الثورة في مقابل استبداد السلطة مسألة يمكن أن تعطي انطباعات من شأنها إعادة النظر لدى البعض في خلفيات كل الثورة وسهولة تمرير مقابلتها بممارسات السلطة وبالتالي سهولة تفريغ الثورة من محتواها، إذ أن محاكمة ممارسات الثورة بالمطرقة نفسها لمحاكمة السلطة تنطوي على اختزال كبير للفهم بين الأولى والثانية، فالثورة هي أصلاً ظاهرة تتمرد على القانون الذي مورس الاستبداد بسيفه وتسعى إلى صناعة عالم جديد من القوانين، وبالتالي عندما تقوم فإنما في ظل مرحلة انتقالية بين تشكيل القانون الجديد وسلفه، ولا يوجد ثورة تمارس نفسها بقوانين سلطتها، فيما القانون في هذه الحال يلزم السلطة بشكل صارم أكثر لأنها الحامي المفترض لسيادته.
وكما أن محاكمة ممارسات الثورة بمعزل عن أهدافها تنطوي على تبسيط للظاهرة ومحاولة لوضع الثورة في قوالب النظريات السطحية الحالمة، فإن العكس هو القاعدة في ما يتعلق بممارسة السلطة التي يصح اعتبار كل ممارسة خاطئة لها معياراً لمحاكمتها، لأن الثورات تخضع للمساءلة في أسبابها، فيما السلطة تخضع للمساءلة في مآلاتها التي أنتجت الثورة، فالثورة والسلطة ضدان في كل شيء إلا في الممارسة، فالأولى في الأسباب والثانية في النتائج، وضدان في الفكر والقالب غالباً، لكنهما يتقاربان إلى حدٍ ما في الممارسة، فبقدر ما تمارس السلطة التطرف في استخدام القوة والقمع والقهر الاجتماعي، بقدر ما تنتج ثورة لها الرغبة نفسها في ممارسة ذلك ضد السلطة طبيعياً، إلا أن الممارسة الأولى منظمة وعميقة الوجود في بناء السلطة، فيما الممارسة الثانية عشوائية طارئة لا تشكل أصلاً في البناء العام للثورة، من دون أن ننفي وجود ثورات قامت باستبداد مقابل استبداد السلطة أنتج سلطة مستبدة أخرى، وهو ماعبّر عنه كثير من"ثورات"الانقلابات العسكرية العربية بسبب غموض أو إبهام السبب الذي قامت من أجله"الثورة"الانقلاب، ما يجعلها ثورات تختلف كلياً عن ثورات الشعوب العفوية نظراً إلى اختلاف الأسباب في قيامها، وهنا لا بد من الإقرار بوقوع ممارسة الاستبداد النسبي لدى الثورة التي نقصدها، كما لدى السلطة، وإنكار وقوعه ما هو إلا أحد أشكال الاستبداد لأحدهما، إلا أن لفظ"الاستبداد"في حق الثورة مجازي هنا لا يلغي معناه، فيما هو أصيل في حق السلطة لأنها المصدر الرئيسي له، بل إن استبداد الثورة في غالبه رد فعل على استبداد السلطة. إن ما يعمق الجدلية بين ممارسات الثورة ارتباط حالة الثورة أو السلطة بإيديولوجيا صارمة، أو تناقض طائفي، وهنا يتسع المجال لاحتمال الممارسات الاستبدادية التي ترتبط بأسباب غير الأسباب السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، فالتناقض الإيديولوجي أو الطائفي يولد القدر الكافي لوصف أدنى الأفعال بين الثورة والسلطة بالاستبداد، إذ أن الممارسات تصبح مرتبطة بنوع من أنواع الانتماء الفكري أو الديني لمجموعة من أفراد الشعب وإن كثرت، وليس بظرفية السلوك السياسي أو الميداني أو الحقوق الجامعة لمختلف شرائح الشعب بأفكاره وانتماءاته العقدية، وقد تتطور الأمور هنا إلى حرف البوصلة الثورية عن اتجاهها السياسي الأساس المرتبط بالعدالة الاجتماعية وتحقيقها للجميع، وتتخذ المواجهة شكلاً عدمياً غير مرتبط بمجرد تحقيق العدالة الاجتماعية في كل مناحيها، وبالتالي فإن أي ثورة تمارس فكر الإفناء الوجودي ستنتج سلطة مستبدة أكثر من سابقتها، وأي سلطة تمارس الإفناء الوجودي للثورة ستنتج ثورة أكثر انفعالية في ممارساتها، وهي حالة تحبذ السلطة اللجوء إليها في حالات النهايات المحتمة إذ تبدو الملاذ الأخير.
يبقى الكلام أن الاستخدام المجازي للفظ الاستبداد بحق بعض ممارسات الثورة لا يعني مطلقاً مساواتها بممارسات السلطة واستبدادها وإنما هو نابع فقط من مقاربة الممارسة في مصدرها الأساس الذي تُسأل عنه السلطة أولاً، من دون أن يعني ذلك براءة مطلقة للثورة وإطلاق يدها تماماً، لكن تلك مسألة إجرائية تخضع لاعتبارات المساءلة والمحاسبة لدى الطرفين، فيما طرح القضية من الناحية الفكرية هنا تحليلي بحت ومحاولة لقراءته في إطار الأسباب الموضوعية التي تدفع ثورة لممارسة خاطئة في سبيل هدف نبيل، ومن دون أن يعني هذا إقراراً لأي ممارسة أياً كان مصدرها، فلدى بعض منظري السلطة المستبدة مدخل لتبرير ممارسة سلطتهم من خلال مقارنة بعض ممارسات الثورة بما تقوم به السلطة، وتصيّد أخطاء الثورة لنقض فكرتها والتشكيك بماهيتها، بإغفال متعمد وتجاهل كامل للعلاقة بين الأسباب والنتائج والمقدمات والنهايات التي يحكمها قانون طبيعي أزلي، فالثورة تُحاكم بأسبابها والسلطة تحاكم بنتائجها.
طارق حمود - بريد إلكتروني


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.