تشجع العلاقات الجديدة بين حماس والحكومة الأردنية على تأكيد استنتاجات سابقة كان الخوض فيها مغامرة تحليلية، وهي أن الحركة الإسلامية في المنطقة العربية وبخاصة في مصر وربما في سورية ستقدم على علاقات تنسيق وتعاون مصالحة مع إسرائيل والولاياتالمتحدة، وربما يكون ذلك بالتحديد ما يقلق النظام السياسي في مصر، ويفسر موقفه الحالي من حماس والحوار الذي ترعاه مصر بين حماس وفتح، ويفسر أيضا المشاركة الواسعة لحماس في الانتخابات التشريعية التي جرت عام 2006، ثم قدرتها على الصمود والبقاء وتصفية سلطة فتح وأجهزتها الأمنية في غزة، وتوالت الأحداث والتصريحات والتسريبات الكثيرة حول لقاءات ومفاوضات وتراتيب إقليمية متوقعة بمشاركة حماس. وربما كان تصريح عضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح من أن جماعة الإخوان المسلمين تؤيد تأسيس دولة علمانية ثنائية القومية في فلسطين، كحل نهائي للصراع العربي الإسرائيلي، إشارة واضحة الى التصورات والمسارات الممكن أن تشارك الحركة الإسلامية فيها. تصريح أبو الفتوح يعبر عن سقف أعلى بكثير مما تقبل به حركة حماس اليوم، ولكن المسألة الأساسية من وجهة نظر حماس هي أنها تريد تأييدا إسلاميا مطلقا وعلى شيك بياض لكل مواقفها وتحولاتها، في المقاومة والمصالحة والتسوية، وأن تصوغ هي موقف الحركات الإسلامية والعرب والمسلمين بعامة ورؤيتها للقضية الفلسطينية، بمعنى أن مركزية القضية الفلسطينية وواجب المشاركة الإسلامية فيها يقتصر على تأييد حماس. ولكن حجم التحولات في اتجاه حركة حماس كان انقلابا في البوصلة، وربما إلغاء لدورها، فقد حولت حماس بنفسها القضية الفلسطينية إلى شأن فلسطيني إسرائيلي، ولم تعد قضية عربية أو إسلامية إلا بمقدار المقتضيات الجغرافية السياسية، وهذا ما أدركه جميع العرب والمسلمين، وأصبح أمرا خياليا أن تجعل حماس من انتخابات بلدية خان يونس أو تشكيل الحكومة والأجهزة الأمنية في فلسطين قضية مقدسة يجب أن تشغل المسلمين وتحركهم أكثر من غيرها من القضايا، ولم يعد الصراع ولم يكن ابتداء صراع وجود وإنما صراعا لا يختلف عن غيره من الاختلافات والصراعات في العالم والتي يكون العرب والمسلمون طرفا فيها، وقد رأينا بالفعل الحركة الإسلامية في العراق وأفغانستان وتركيا وسورية والمغرب وفي أوروبا والولاياتالمتحدة تنشئ رؤيتها وبرامجها وأفكارها باعتبارها جماعات وأحزاب سياسية واجتماعية وطنية. وسيكون حديثا عفا عليه الزمن مناقشة مواقف الحركة الإسلامية المتوقعة من قضايا الديموقراطية والحريات وحقوق الإنسان والقضايا الاجتماعية وتطبيق الشريعة الإسلامية، فهي مسائل لن تحسم الموقف من الحركة الإسلامية كما يبدو في وسائل الإعلام، فالحركة الإسلامية أولا وأخيرا هي جماعات سياسية واجتماعية تعبر عن تفاعلات سياسية واجتماعية وستتحرك وتتصرف كما الأحزاب والجماعات وفق ما يعيد انتخابها ويحافظ على بقائها في موقع التأثير في المجتمع والدولة. حركة حماس تخوض حوارا مع الغرب منذ قيامها، وربما تكون هذه العلاقة قد تغيرت مع سلوك حماس في مسار العمل العسكري، ولكن التسريبات الإعلامية ظلت مستمرة حول الحوار والتفاوض مباشرة أو من خلال وسطاء مع إسرائيل وأوروبا والولاياتالمتحدة، بل إن قيادة السلطة الوطنية الفلسطينية أعلنت عام 1996 عن مخاوفها وقلقها من مفاوضات تجري بين حماس وإسرائيل، ولا يعقل بالطبع أن يكون وقف العمليات العسكرية وإجراء الانتخابات البلدية والتشريعية الفلسطينية من دون مفاوضات وتنسيق مع إسرائيل والولاياتالمتحدة وأوروبا ومصر والأردن. فالدول والجماعات لا يمكنها، حتى في العالم الافتراضي والإنترنت، إجراء ترتيبات سياسية وأمنية وإدارية بمعزل عن تنسيق اتصالاتها ومصالحها. والتغاضي الأميركي والإسرائيلي عن نتيجة الانتخابات التشريعية الفلسطينية ثم تشكيل حكومة فلسطينية بقيادة حماس، ثم الانفراد بغزة، وأخيرا التنسيق والحوار الجاري بين حماس والأردن، يعني أن حماس تفتح المجال للحركة الإسلامية في العالم وبخاصة في مصر وسورية للدخول في شراكة سياسية جديدة، ويعني أيضا أن حماس كانت تشارك نيابة عن الحركة الإسلامية في الإعداد لترتيبات فلسطينية وإقليمية. والحال أنه جرت تحولات واسعة في المشهد السياسي العربي ترشح الحركة الإسلامية لتكون شريكاً سياسياً مهماً للولايات المتحدة الأميركية في العالم الإسلامي، فالانتخابات العراقية والمصرية والفلسطينية، وقبلها تركيا وأفغانستان، والحوارات الجارية بين الولاياتالمتحدة والحركة الإسلامية، والمراجعة السياسية والإيديولوجية التي تجريها الحركة، وتمثلت في المشروعات والرؤى الإصلاحية الجديدة التي قدمتها جماعة الإخوان المسلمين في مصر وسورية والأردن، وغير ذلك كثير يؤشر على اتجاهات قادمة في علاقة الحركة الإسلامية ودورها المتوقع والممكن في استئناف الحالة السياسية دون تغييرات جوهرية في المصالح والمواقف والعلاقات الدولية. وإذا نجح العراقيون نسبياً في تأسيس حياة سياسية ديموقراطية وإقامة سيادة وطنية وإعادة الأمن فإن العلاقات الأميركية العربية ستكرس فلسفة وأسساً جديدة مختلفة عما استقرت عليه طوال نصف القرن الماضي، لأن العراق سيكون المسرح الأول للحكام الجدد في الوطن العربي، وسيكون نموذجاً يمكن تعميمه على العرب. والجديد في هذا النظام السياسي الجديد أنه يتيح المجال للحركة الإسلامية لمشاركة واسعة ورئيسة بعد عقود من الإقصاء والتهميش، ويؤسس لعلاقة جديدة مع الولاياتالمتحدة، وفي الوقت نفسه ستواصل الولاياتالمتحدة سياساتها السابقة تجاه إسرائيل والنفط والقضايا الدولية والإقليمية من دون مواصلة المغامرة السابقة القائمة على دعم أنظمة سياسية غير ديموقراطية، وستجد المجتمعات العربية أنها كسبت نسبياً. وربما تكون السياسات والأولويات الأميركية نفسها تشهد تحولات إستراتيجية أيضاً، ففي كتابه"مجلس إدارة العالم"يعرض ديفيد روثكوف نتائج دراسات مسحية واستقصائية لاستكشاف أولويات الولاياتالمتحدة الأميركية القادمة بالنسبة الى أقطار العالم. وكانت نتائج الدراسات أن الدول الخمس والعشرين ذات الأولوية للولايات المتحدة الأميركية تأتي في مقدمها الصين، ثم حسب الترتب: روسيا، إيران، اليابان، بريطانيا، الهند، باكستان، الاتحاد الأوروبي، السعودية، فرنسا، كندا، العراق، وتشغل إسرائيل المرتبة 16 في هذه القائمة، وتأتي مصر في المرتبة 24 وإندونيسيا في المرتبة 25. وعلى مدى السنوات العشرين القادمة فإن درجات القائمة التي تضم الأقطار الخمسة والعشرين ذات الأولوية لم تتغير، ولكن هبطت إيران إلى المرتبة السابعة لتحل محلها الهند في المرتبة الثالثة وصعدت السعودية في درجة الاهتمام لتشغل الرقم 6 كما صعدت مصر من الرقم 24 إلى الرقم 12. وهبطت إسرائيل من الدرجة 16 إلى الدرجة 18. هل ستقدم الحركة الإسلامية على إعادة إنتاج نفسها على نحو يتفق مع مرحلة تشكل فيها الحكومات القادمة أو تكون شريكاً رئيساً فيها؟ يتوقع أن تقبل الحركة الإسلامية بالواقع السياسي والاستراتيجي في المنطقة والقائم على المصالح الأميركية والقبول بإسرائيل في المنطقة، وربما الدخول في حالات من الشراكة والتعاون والتفاهم معها أيضاً. لقد اتجهت القضايا الكبرى التي اشتغلت بها الحركة الإسلامية مثل القضية الفلسطينيةوالعراق وأفغانستان إلى ترتيب وتسويات قبلت بها الحركات الإسلامية المعنية بها مباشرة، وهي الحركات الإسلامية المشتغلة في هذه الأقطار، وهذا سيؤدي إلى تحييد هذه القضايا، والدخول في مشروعات وبرامج وطنية محلية بغض النظر عن عدالة التسوية التي آلت إليها القضايا الكبرى. وربما تكون الحركة الإسلامية في مصر هي الأقدر على إعادة صياغة نفسها على نحو يكيّف أوضاعها مع المرحلة السياسية المتوقعة، لأنها شغلت مبكراً بقضايا وطنية واجتماعية وسياسية محلية وتمتلك رؤىً وبرامج وطنية، وتعبر عن الطبقات الوسطى في المجتمع، ولكن الحركة الإسلامية في الأردن تحولت تركيبتها العضوية والتنظيمية والسياسية إلى التعبير عن المجتمع الفلسطيني في الأردن، ولن يكون سهلاً عليها أن تتحول إلى حركة مجتمعية تعبر عن طبقاته الفاعلة والمؤثرة في جميع أنحاء المجتمع والدولة، وستتحول إلى منظمة فلسطينية أردنية تعبر عن مطالب المواطنين من أصل فلسطيني، وسيؤثر هذا التحول في التماسك الداخلي للحركة الإسلامية في الأردن ويعرضها للتفسخ، وبالطبع فإن الحركة الإسلامية قادرة نظرياً على صياغة خطاب جديد يقدم تفسيرات ورؤىً تغطي المرحلة القادمة ولا يتعارض مع الفكر الإسلامي الذي تقوم عليه الحركة، ولكنه ليس تحولاً سهلاً ولن يمر بلا تكاليف كبيرة ومؤلمة. وربما تنتهي حالة"الإسلامية"لأنها ستكون مشتركة بين معظم الناس وتمثل قاعدة عامة للمجتمعات كلها لا تتميز بها حركة أو جماعة معينة، وسيكون أساس تشكيل الأحزاب والجماعات والاختلافات بينها هو البرامج المتعلقة باحتياجات الناس والمجتمعات والضرائب والحريات والموارد، وسيكون الاختيار بين هذه الجماعات والأحزاب على أساس برامجها التفصيلية وليس أفكارها وأيديولوجياتها العامة. * كاتب أردني.