هل ترفع أسعار المشتقات النفطية أم تؤجل؟ أم تلغى قرارات كانت اتخذت في هذا الشأن؟ سؤال يثير جدلاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية والسياسية في اليمن. المراقبون لاحظوا ان القيادة اليمنية لجأت للمرة الأولى منذ بدء برنامج الاصلاحات الاقتصادية عام 1995 إلى ما يشبه الاستفتاء السياسي على ما تسميه الاصلاحات السعرية وفسروا ذلك بحساسية الخطوة التي تذكرهم بأحداث حزيران يونيو 1998 عندما وقعت مصادمات وأحداث شغب في بعض المحافظات عقب رفع أسعار الوقود. ولأن الحكومة اليمنية تواجه صعوبات فعلية في إعلان قرارات رفع الأسعار بنسبة تراوح بين 30 و40 في المئة اعتباراً من مطلع الشهر الجاري، فقد رفعت الأمر برمته إلى الرئيس اليمني علي عبدالله صالح ضمن رسالة مشفوعة بحيثيات رأت أنها مهمة وحتمية تبرر رفع الأسعار وأحال الرئيس بدوره الرسالة إلى المجلس الاستشاري، وهو أعلى هيئة معاونة له في الاستشارات لإبداء الرأي وتقديم اقتراحات. وقال مصدر اقتصادي يمني ل"الحياة" أمس إن غالبية اعضاء المجلس الاستشاري تحفظت عن مبدأ رفع الأسعار. وأكد أعضاء المجلس الاستشاري، الذي يضم اتجاهات سياسية متباينة، في مداولاتهم الأسبوع الماضي على أن رفضهم أساسه اعتبارات اقتصادية منها زيادة الفقر في أوساط الشعب واعتبارات اجتماعية وسياسية وأمنية أخرى، مشيرين إلى أن ذلك سيؤثر على انتاجية القطاع الزراعي والذي يعمل فيه أكثر من نصف سكان اليمن. وقال الرئيس صالح في تصريحات أمس "إن الاصلاحات السعرية محل دراسة داخل المؤسسات في الحكومة والبرلمان والمجلس الاستشاري وأحزاب المعارضة لإبداء الآراء حول التوقيت المناسب للاصلاحات، وهل ستساعد في عملية الاصلاح أم تؤثر سلباً على معيشة المواطنين". وكانت الحكومة اليمنية تراجعت، في خطوة مفاجئة، عن قرارات اتخذتها قبل فترة برفع أسعار بعض المشتقات النفطية. وقال مصدر مسؤول في وزارة التموين والتجارة "إن لا تغيير أو زيادة تُذكر قد طرأت على الأسعار الحالية لمادتي الديزل والغاز أو غيرها من السلع". وأوضح المصدر ان اجراءات قانونية اتخذت ضد بعض التجار والباعة الذين رفعوا الأسعار من دون مبرر وان هؤلاء المخالفين تم ضبطهم وإحالتهم إلى النيابة لاتخاذ الاجراءات القانونية بحقهم. في الوقت نفسه، أعلن رئيس الوزراء عبدالكريم الارياني ان رفع الأسعار لا يتجاوز 4-5 في المئة وان الرفع الجديد سيعلن في الوقت المناسب. ونقلت صحف المعارضة عن مسؤولين في الحكومة قولهم إن جرعة جديدة من رفع الأسعار ستُطبق بعد اجتماع عقده رئيس الوزراء عبدالكريم الارياني مع قادة أحزاب المعارضة شرح فيه خطوات رفع الأسعار ومبرراتها. وقالت مصادر المعارضة إن إلغاء قرار رفع الأسعار جاء بعد تدخل مباشر من الرئيس علي عبدالله صالح الذي طلب من الحكومة ايجاد بدائل لا تمس الفقراء والمزارعين وأصحاب الدخل المحدود. وأشارت المصادر إلى ان قيادات في الحكومة اليمنية أجرت محادثات مستفيضة مع نائب رئيس البنك الدولي للشؤون الاقتصادية جوزيف ريتزن الذي زار اليمن أخيراً بهدف الاتفاق على خطوات لتأجيل رفع الأسعار إلى ما بعد عيد الأضحى أو منتصف السنة الجارية والبحث في وسائل أخرى لتحسين الموارد وتقليل العجز في الموازنة العامة. ورفعت الحكومة اليمنية الشهر الماضي أسعار وقود الطائرات للمرة الثانية في أقل من ستة شهور من 30 إلى 35 ريالاً للتر الواحد بالنسبة للخطوط الجوية اليمنية، ومن 19 سنتاً إلى 22 سنتاً للتر الواحد بالنسبة للشركات. وحررت الحكومة اليمنية أسعار القمح والطحين نهائياً وأزالت الدعم المقدم لهما العام الماضي، لكنها استبقت على نحو 11 بليون ريال لدعم مشتقات النفط في موازنة السنة ألفين. وقالت الحكومة في رسالتها إلى رئيس الجمهورية في شأن ارتفاع أسعار المشتقات النفطية، إن بقاء الوضع الحالي يسبب اختلالات وتشوهات عميقة في قطاعات الاقتصاد. وقدرت ان تتكبد الدولة خسارة قيمتها 43 بليون ريال في حال بقاء الدعم الكامل للمشتقات النفطية. وأكدت الحكومة أنها تدعم ليتر الديزل بنحو 20 ريالاً فضلاً عن تخصيص 5.1 ريال لصالح صندوق التشجيع الزراعي والسمكي. وأوضحت رسالة الحكومة ان رفع أسعار المازوت سيؤثر سلباً على مصانع الاسمنت التي تملكها الدولة، وبالتالي ستنخفض حصة أرباح الحكومة منها. وقالت الحكومة إن استهلاك اليمن من الكيروسين يصل إلى 350 مليون لتر في السنة تستهلك معظمه شركات النفط والمنازل في الأرياف، ولذا فإن رفع أسعاره سيشجع استخدام الغاز لعوامل بيئية واقتصادية. ورأت الحكومة اليمنية ان مواصلة السير في الاصلاحات الاقتصادية والمالية والإدارية ستكون عاملاً مساعداً لحصول اليمن على مزيد من المساعدات والتسهيلات الميسرة الممنوحة للدول النامية التي من بينها دخول اليمن السنة المقبلة في مفاوضات جديدة للحصول على خفض جديد لكتلة الديون الخارجية بنسبة 67 في المئة. في الوقت نفسه، حذرت من أن عدم اتخاذ الاجراءات الكافية سيحرم البلاد من المصادقة على الشرائح السنوية لخفض أعباء الديون وفقاً للترتيبات مع دول نادي باريس وعدم تأهل اليمن للدخول في ترتيبات استراتيجية النمو ومكافحة الفقر.