نائب أمير جازان يستقبل سفيرة مملكة الدنمارك لدى المملكة    معرض إينوبروم: حدث محوري لتعزيز الشراكة التجارية والصناعية بين روسيا والمملكة العربية السعودية    أوبو تطلق سلسلة رينو 15 في المملكة العربية السعودية مع باقة متكاملة من المزايا والأدوات الإبداعية لدعم صنّاع المحتوى    إعادة انتخاب الدكتور أحمد الشريف نائبًا لرئيس الاتحاد الدولي للرياضة للجميع (FISpT)    القيادة تهنئ رئيسة جمهورية الهند بذكرى يوم الجمهورية لبلادها    حقيقة مفاوضات الهلال لضم ماسون غرينورد    إطلاق مبادرة لتعزيز الدعم النفسي لمرضى السرطان بالشرقية    "التخصصي" يحقق إنجازًا عالميًا بإجراء عملية زراعة كبد من متبرعين أحياء تُنفّذ بالكامل باستخدام الجراحة الروبوتية    51.5% زيادة في معدل التوظيف في السعودية خلال 2025    عدد قتلى وجرحى الجيش الروسي يتجاوز مليون و235 ألفا منذ بداية الحرب    وزير البلديات والإسكان: ارتفاع نسبة تملك الأسر السعودية للمساكن إلى أكثر من 66% بنهاية 2025م    إسقاط 40 طائرة مسيرة أوكرانية خلال الليل    رياح مثيرة للأتربة والغبار على معظم مناطق المملكة    أمانة الشرقية تحتفي بإنجازات «التميز»    أوضاع الباطن تغري الرائد.. الزلفي يلاقي الجبيل.. العربي أمام الفيصلي    جامعة القصيم.. حضور في «التايمز»    المفتي العام يرأس اجتماع هيئة كبار العلماء    سعود بن بندر: "المنافذ" تمثل واجهة حضارية    يحظى بدعم كبير من القيادة الرشيدة.. البنيان: ارتفاع الاستثمار الأجنبي في التعليم بالسعودية    أداء قوي للقطاعات غير النفطية.. 70.2 % فائض الميزان التجاري للمملكة    القادسية يتغلب على النجمة بثلاثية في روشن    109 متسابقين يتنافسون في رالي باها حائل الدولي 2026    رئيس الاتحاد الآسيوي يشيد بتنظيم المملكة ويهنئ اليابان    نخبة الفرق السعودية تتنافس في المراحل النهائية من تحدّي ESL السعودي 2026    الجيش الإسرائيلي يستهدف مواقع لحزب الله بلبنان    وسط ضغوط أمريكية.. «الكابينت» يبحث إعادة فتح معبر رفح    اكتشاف استمرارية حدادة البدو    غزال يسطو على بنك أمريكي    الكاميرا تفضح قسوة ممرضة مع رضيعة    اتهام Meta بالتضليل    استمرار التوترات مع الحكومة السورية.. رغم تمديد الهدنة.. تعزيزات ل«قسد» في الحسكة    موروث الشعبنة قاعات الفنادق تقتل بساطة المنازل    ليلة طربية لراشد الماجد في موسم الرياض    أداء بلا روح.. الوجه الخفي لفقدان الشغف    «موهبة» تختتم معسكر النخبة الأول لتدريب    مرحلة ثالثة بإسكان الندى    الاهتمام بالأسر المتعففة والأيتام    نوه بدعم القيادة ل«كبار العلماء».. المفتي: المملكة شامخة قوية بسواعد أبنائها    بعد الرحيل يبقى الأثر!!    السمنة والضغط يرفعان خطر الخرف    العلاج الكيميائي يعزز مقاومة نقائل السرطان    جيل جديد غير مأزوم نفسياً    8 فوائد مذهلة لتناول ملعقة عسل صباحاً    شاعر الراية يقدم أنموذجًا لدعم الشباب السعودي    الصحراء مساحة تنمية واعدة بمشاركة أبنائها أولا    أمير حائل يدشّن الحملة الوطنية "الولاء والانتماء"    مؤتمر ومعرض للسلامة المرورية في جازان    معالي رئيس محكمة استئناف جازان يُعزي أسرة المني في أبوعريش    السعودية تزود 70 محطة كهرباء يمنية بمشتقات نفطية    «سلمان للإغاثة» يوزع 2.500 كرتون تمر في مديرية تريم بوادي وصحراء محافظة حضرموت    أكاديمية الإعلام السعودية بوزارة الإعلام تُقيم برنامج "التحليل الفني الرياضي" بالتعاون مع "اتحاد الإعلام الرياضي"    نائب أمير منطقة جازان يستقبل وفد أعضاء مجلس الشورى    بدء استقبال طلبات إفطار الحرمين لشهر رمضان    أمير إمارة موناكو يغادر جدة    رئيس وزراء جمهورية مالي يصل إلى المدينة المنورة    خالد عرب يحتفي بفائق عبدالمجيد    هيفاء وهبي تُغازل جمهورها بالجنوبي    حمدي إلى القفص الذهبي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«طيران إلى آراس» لأنطوان دي سانت أكسوبري ... كابوس الحرب
نشر في الحياة يوم 08 - 02 - 2011

تحتلّ الحرب والأحاديث والرؤى التي تتخلّلها وتلك التي تسبقها أو تتبعها، عوالم وأجواء رواية «طيران إلى آراس»، (رند، دمشق، 2011، ترجمة أحمد الباقري) للفرنسيّ أنطوان دي سانت أكسوبري. كان الكاتب شاهداً على الحربين العالميّتين ومشاركاً كطيّار في الحرب العالميّة الثانية التي كان واحداً من ضحاياها. هو الذي ولد سنة 1900، ودخل القوّة الجوّية وصُنِّف كطيّار 1920، شارك مع الجيش الفرنسيّ في عدّة مواقع، تنقّل في عدد من الأمكنة، وخلال الحرب العالميّة الثانية، حين كان طيّاراً، سقطت فرنسا، ما أجبره على الذهاب إلى أميركا، ثمّ عاد في ما بعد إلى شمال أفريقيا سنة 1943، وبينما كان في طلعة جوّيّة استطلاعيّة فوق المتوسّط، اختفى، ويُحتمَل أنّه سقط بنيران مقاتلين ألمان.
يروي أكسوبري بطريقة سيريّة بعض المحطّات المفصليّة في حياته، يروي بلسان المتكلّم، يكون الراوي المصرّح باسمه نفسه، يوجّه خطابه الروائيّ إلى الإنسانيّة جمعاء، هو الذي ذاق مرارات الحرب، يتحدّث عن رحلاته الاستطلاعيّة التي كان يكتشف فيها هول الخراب الناتج، يصف ارتباطه العضويّ بالطائرة، وارتباطه الأعمق بالذين كان يشاهدهم من مسافات بعيدة، يفكّر بسخف الطيران، بعقم الزمن، وعبثيّة الاستخبارات وارتباك الجنود. يفكّر بهويّة الإنسان الحقيقيّة التي تُفقِده إيّاها الحرب، يكشف افتراس الحرب لكلّ جميل وخيّر في الحياة. يفصّل في الأدوار التي يختارها الناس في الحروب، بعضٌ يختار اللعب على الحبال، وتمثيل الدعاية والإعلان كأنّه يروّج لمنتج حضاريّ، وآخر يبالغ في مواقفه واستماتته بغية تحصيل امتيازات ومكتسبات محتملة جرّاء التخريب الناجم، وآخرون متباينون في منطلقاتهم.. يؤكّد أنّ جميعهم خاسرون، وإنْ توهّموا النصر. لأنّه يرى أنّه لا نصر قطّ في الحروب، يراها خسارات وهزائم كلّها.
تجري أحداث الرواية أثناء الحرب العالميّة الثانية، حين اشتداد القتال بين الفرنسيّين والألمان، يصف تفاصيل دقيقة من حياة الجنود، يختصر مصائرهم التائهة في رحلات ضبابيّة غير معلومة النتائج، يكون طيرانه بؤرة الرواية التي تنطلق منها الأحداث وتعود إليها، بين تأمّل جوّانيّ وتألّم واقعيّ. يصف الالتزام الذي يهيمن على الجميع تجاه تنفيذ الأوامر، والانقياد الأعمى للقتل، يراجع مشاهداته الكثيرة، يقدّمها على سبيل الاعتبار ودفاعاً عن الحقيقة التي يرنو إليها. حقيقة أن الحرب خدعة ومهزلة وكارثة وجنون. يُكسبه طيرانه علماً وعِبَراً، يعلن نفسه جزءاً مكوّناً لمشاركة الجنس البشريّ، إذ ثمّة مخلوق في داخله يكافح ضدّه من أجل أن ينهض متفوّقاً على نفسه. ما عدا ذلك الطيران إلى آراس لن يكون قادراً على التمييز بين ذلك المخلوق والإنسان الذي يجدّ في البحث عنه. يمكّنه تحليقه من تدبّر الحقائق عارية. رأى كيف أنّ رجلاً ما قد يكون عظيماً بطريقة تافهاً بأخرى. ويؤكّد أنّ الذي يدّعي القوّة ليستعبد الآخر ليس رجلاً.
يصوّر الرائد أكسوبري، كما يسمّي نفسه في الرواية، كيف أنّ الحرب ترمّد الرجال، تُشيّخ الأطفال، تحجّر قلوبهم، وتلقي بهم هياكل مجوّفة لا جدوى محتمَلة منها، يصف الحرب المستعرة بقتال ديَكة، مهارشة غير منتهية، رهان عبثيّ على الفوز بالفجائع. ينقل مشاهداته البصريّة أثناء طيرانه الإجباريّ في طلعاته الجوّيّة الاستطلاعيّة، يتحدّث عمّا كان يراه من الأعلى حيث كان يحلّق بعيداً عن قذائف الأعداء، كما يصوّر بالموازاة مع مشاهداته تلك ما كان يتراءى له من تخيّلات وأحلام وكوابيس، فكان تحليقه ينتقل به بين المراجعة التي تمليها المشاهدة العينيّة والرؤية القلبيّة العقليّة.
تكون الصور الذهنيّة المستحضرة معادلات ومكافِئات للصور الواقعيّة المؤلمة التي تحيطه من كلّ صوب، وتغرقه في الأذى الذي يختلقه له، هو الذي يحارب لتسييد القيم المثلى، يجد نفسه في مستنقع القتل الإجباريّ دفاعاً عن النفس، بعيداً عن الأجندات التي يرسمها أمراء الحروب. يخوض حرباً بالنيابة، يفضح ويلات هذه الحرب، يحرص على التدقيق في مشاهد الترويع والإرهاب المقترفة من مختلف الأطراف المتحاربة إزاء بعضها بعضاً، وإزاء العُزّل والأبرياء من النساء والأطفال.
يكون سرده مشحوناً بالشاعريّة والرومانسيّة، لا يخفي لواعجه وشوقه وافتقاده للبيت، وما يمثّله البيت من حميميّة ودفء وهدوء وألفة وسلام، يصفه بأنّه أعظم كنز في الوجود لما يشتمل عليه من راحة كاملة، واستقرار شامل، يصرّح بأنّ جميع الرجال يحاربون من أجل البيت، لما يمثّله البيت من قيمة عظمى في حياة المرء. بالموازاة مع التركيز على قيمة البيت يستحضر ما تنتجه الحرب من كوارث بحقّ الإنسان، يصوّر مشاهد من الإبادة الجماعيّة والهجرة والتهجير القسريّ، وكيف يبدو المهجّرون المشرّدون كأسراب الجراد في الطرقات التي يتوهون فيها.
يتمنّى اختراع قوانين جديدة للحروب، بحيث يكون الرجال فقط عدّتها وعتادها، ويتمّ إبعاد النساء والأطفال وحمايتهم كي لا يكونوا وقوداً وضحايا. يصوّر كيف تستلب الحرب هويّة الإنسان وماهيّته، كيف تجرّده من إنسانيّته، تصِمه بالتوحّش والبربريّة والقسوة، بحيث إن لم يكن قاتلاً سيكون قتيلاً.. يحلّل الأسباب والدوافع التي تلقي بالدول والرجال إلى مهالك الحروب، ينعت الحرب بأشنع النعوت، ينعتها بالهزليّة، اللئيمة الكافرة، اللعبة... ولا يغفل عن تقريع نفسه كأحد المشتركين في تلك المسرحيّة الهزليّة القاتلة، سواء كان بإرادته أو رغماً عنه.
لا يخلو حديث أكسوبري من نبرة وصائيّة، ولاسيّما حين الحديث عن وجوب تجنّب الحرب، نجده يخاطب قارئه بطريقة مباشرة، بلغة أقرب ما تكون إلى الخطابيّة، يحذّره فيها من الانسياق وراء مزاعم أمراء الحروب، ينبّهه إلى مخاطر الانغماس في العصابات، يشيد بعظَمة الإنسان ونبل الرسالة الإنسانيّة، يلعن مشاركته الآثمة في الحروب، نجده يتّخذ موقف الواعظ المرشد، كما أنّه يبدأ بمساجلات فكريّة حول مفاهيم فلسفيّة، يرتّبها بحسب أولويّتها، ويبدأ بالانتصار للإنسانيّ دوماً، يبشّر بالإنسانيّة في مواجهة أعدائها ممّن يتستّرون بالشعارات التي يحجبون بها الحقائق، يوهمون عبرها بمصداقيّتهم، يحاجج بالفكر والمنطق والبرهان الواقعيّ بعض المدارس الفكريّة التي ترفع شعارات واهمة، لا تستطيع تحقيقها، يستهزئ بالحرب ويسخر منها، لكنّه يعلن أنّه لم ولن يستطيع إيقافها، لأنّها تحتاج إلى جهود جبّارة ومن مختلف الأطراف المتحاربة. يعلي من شأن الإنسان الذي يكون الضحيّة دوماً في الحروب.
ينهض خطاب الرواية الفكريّ على تقديس الإنسان، والتبشير بالسلام، يتسامى على الصغائر والمصالح، مع يقينه بصعوبة ذلك، لكنّه يسعى إلى المثاليّة في التعامل، وينادي بها، يدعو إلى تمثّل القيم الإنسانيّة وتعميمها، عسى أن يساهم في الحدّ من القتل المتعاظم والاحتراب المتصاعد. يطرح رسالته التحذيريّة، بيانه المنطوي على العنف المصوَّر في مسعى واضح للمساهمة بقسطه في الحؤول دون وقوع الحرب التي هي أسّ الموبقات والفجائع والكوارث كلّها. ومن هنا فإنّ روايته رسالة تحذير، صفّارة إنذار من خبير مجرّب، يحتكم إلى العقل والمنطق، بعدما خبر عنف الواقع وبؤس المطامع وقزميّة النتائج.
لاشكّ أنّه لو قيّض لأكسوبري البقاء بعد نهاية الحرب، لظلّ من أشدّ المناهضين لها، لأنّه يجهر بعبثيّتها وجنونها ولاجدواها، يسهب في هجائها، يقول عنها إنّها محطّمة الإنسان، ومحطّمة الأمم والدول، جذر الويلات كلّها. وروايته «طيران إلى آراس» تأتي كشهادة تنبض بالحياة وتبشّر بسلطة الإنسان وسموّه، ردّاً على الموت الذي تغمر به الحروب الأرض.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.