اصر رئيس الوزراء الفلسطيني الدكتور سلام فياض على مرافقة ضيفه من مكتبه في الطبقة الرابعة في مجلس الوزراء في رام الله الى الطبقة الارضية. وهناك ودعه بحرارة. الضيف لم يكن شخصية سياسية أو دولية من الزوار اليوميين الدائمين لمكتب رئيس الحكومة، وانما طبيب من مخيم جباليا في قطاع غزة يدعى عز الدين ابو العيش، فقد ثلاثاً من بناته في قصف اسرائيلي استهدف منزله الآمن في الحرب الاخيرة على قطاع غزة. لكن في حياة هذا الطبيب الفلسطيني اللاجئ في مخيم فقير في غزة اكثر من ذلك... لديه ما يجعله محط اهتمام يتنامي ويتسع ليصل الى ارفع المؤسسات الدولية، ومنها مؤسسة جائزة «نوبل»، فهو طبيب بارع قادته براعته الى العمل في ارفع المستشفيات الاسرائيلية، رغم حواجز اللغة والقومية ومعيقات التنقل المعروفة بالنسبة الى الفلسطينيين، خصوصا من سكان قطاع غزة المحاصر. ورغم ان ابو العيش ذاق مرارة الاحتلال، ربما اكثر من غيره من الفلسطينيين، بسقوط ثلاث من بناته في القصف الاسرائيلي، الا انه يقول ان اياً من مبادئه الانسانية لم يتزعزع: «فأنا ما زلت أؤمن بقوة بدوري في خدمة الانسانية، بغض النظر عن الدين او النوع او الجنس، وسواء كانوا يهودا ام عربا». واثارت تجربة ابو العيش وفقدانه بناته الثلاث ومواصلته العمل في المستشفيات الاسرائيلية وتمسكه بمبادئة الانسانية، اهتماما واسعا دفع بوزير خارجية بلجيكا لترشيحه لنيل جائزة «نوبل». واعتبر ابو العيش ترشيحه «فخرا لعدالة القضية الفلسطينية». واضاف في حديث ل «الحياة» في مكتب رئيس الحكومة: «شعرت بارتفاع صوت الحق، وان لا شيء مستحيلا». ويقول ابو العيش ان فقدان بناته لم يزده الا تمسكا بدوره: «الحقد والكراهية لا يعيدان لي بناتي، بل على العكس، فاذا ما واصلت عملي الانساني وفعلت الكثير في هذا الاتجاه، فإن هذا سيخلد ذكرى بناتي الأحب الى قلبي». واضاف: «نعم فقدت ثلاثاً من بناتي، لكن لدي خمسة بنات أخريات يجب ان اعمل من اجلهن ومن اجل البشرية». ويتقن ابو العيش اللغة العبرية، ويعمل في اكثر من مستشفى اسرائيلي. ويسجل له اهل غزة مواصلته التمسك بالعيش في مخيمه الفقير، وخدمة ابناء المخيم من الفقراء، والمساعدة في نقل الحالات المرضية الصعبة الى المستشفيات الاسرائيلية التي يعمل فيها، رغم ما يتوافر له من مغريات للانتقال الى الخارج. ويقول: «انا كطبيب اعمل لانقاذ حياة البشر من دون تمييز. صحيح انني اعمل في مستشفيات اسرائيلية، لكنني اقدم العلاج لكل الفئات من عرب ويهود، مسلمين ومسيحيين، من دون اي تمييز». ويعمل ابو العيش حاليا في مستشفى «تل هشمير»، لكنه سينتقل قريباً للعمل رئيساً لمركز صحة الاقليات في جامعة حيفا. وفي الوقت نفسه سيُدرِّس في جامعة تورونتو الكندية. لكن بين عمله في المكانين سيظل ابو العيش يعود الى بيته في مخيم جباليا الذي يقول انه يعتز بالانتماء له. ويعمل أبو العيش على تأسيس مؤسسة خاصة لخدمة الفتيات في فلسطينين تخليداً لذكرى بناته الثلاث الشهيدات. وقال: «هذه المؤسسة ستخصص عملها لدعم الفتيات والشابات في مجال التعليم والصحة، لتمكين بنات فلسطين من تحقيق الأحلام التي حرمت منها بناتي». واثار ترشيح ابو العيش لنيل جائزة «نوبل» للسلام اهتماماً واسعاً بين الفلسطينيين الذين يرون في هذه الجائزة منصة لمخاطبة العالم ومطالبته بمواقف اكثر عدلا وتوازنا. وقال الدكتور فياض ان السلطة الفلسطينية ستدعم ترشيح ابو العيش لنيل الجائزة لأنه «يمثل عدالة القضية الفلسطينية». واضاف ل «الحياة»: «هذا الترشيح يمثل انتصاراً لفلسطين وضحاياها ومستقبل أطفالها». وتابع: «ان قدرة الدكتور أبو العيش على التسامي على آلامه ومعاناته، تعكس إرادة القوة لديه، وتطلعه لمستقبل أفضل لشعبنا وأطفاله بعيداً عن الاحتلال والعنف والقتل والكراهية والحقد».